الاسلام السياسي ومصير الثورة

single

لقد قامت الثورة المصرية ضد نظام الفساد والقمع والتفريط فى المصلحة الوطنية .. منادية بالحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية. ورغم أن هذه الثورة، قد قام بهما شباب ينتمي في مجمله الى الطبقة الوسطى من طلاب وموظفين ومهنيين. وينتمي، في معظم جماعاته، الى ايديولوجيات مدنية تحررية .. من ليبرالية الى يسارية ، مع تمثيل لشباب الاخوان. وغياب تام للجماعات السلفية التى زادت على غيابها هجوم دعاتها على الثورة والثوار ونعتهم بأسوأ الصفات، ليس أقلها ارتكاب الاثم نتيجة اقتراف جريمة الخروج على ولي الأمر الذي لاينبغي مخالفته، عندهم، "وان ضرب ظهورنا بالسياط". الا أن مرحلة ما بعد الثورة قد شهدت بروز هذه القوى الاسلامية بشكل بالغ الوضوح والاعتداد، وتورط بعضها في مهاجمة القوى الليبرالية واليسارية التى قامت بالثورة والتلويح باتهامها بالخروج على الملة (قول القيادي الاخواني صبحي صالح وكذلك الشيخ المحلاوي امام مسجد القائد ابراهيم بالاسكندرية .. وغيرهما بأن الاسلام لايعرف مسلما علمانيا أو ليبراليا أو يساريا فليس مسلما من لم يكتف بالاسلام).
حيث تسود مخاوف كبيرة من سيطرة هذه الجماعات على السلطة في الانتخابات النيابية وتحويل البلاد الى شمولية ديكتاتورية تحكم باسم الاسلام، وتهدد الديمقراطية. وتحجب كل القوى المختلفة معها، وتصادر الحريات العامة، وتهدد الوحدة الوطنية وامكانيات التقدم فى البلاد.
فمن أين جاءت هذه القوى ؟؟ وهل يمكنها أن تستولي على البلاد فعليا كما يتخوف البعض ؟؟
وهذه المقالة هي محاولة متواضعة للاجابة عن هذين السؤالين:
1- فريقان من أجل الاستقلال:      
عندما انتفض الشعب المصرى ساعيا نحو تحقيق الاستقلال فى الربع الأول من القرن الماضى كان الصراع داخل الجماعة الوطنية قائما بين فريقين رئيسيين : الفريق الأول مدني مثقف، تلقت معظم رموزه تعليما عصريا (أحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى اسماعيل مظهر .. الخ)، أو قامت بالتمرد على التعليم الأزهري التقليدي لصالح التعليم العصري (طه حسين وأمين الخولي وأحمد أمين) . وقامت فلسفتهم على مبدأ : لكى ننتصر ونتحرر من الاستعمار الغربي لا بد من احراز القوة القادرة على تحقيق ذلك ، وهذه القوة لن تتحقق الا بتعليم حديث مستمد مما وصلت اليه أرقى علوم العصر في أوروبا ذاتها .. فالأوروبيون لم يكن من الممكن أن تتحقق لهم الهيمنة على مقدراتنا الا نتيجة لضعفنا و"قابليتنا للاستعمار" .. كما قال مالك بن نبي .. فـ "لكى نتقدم كما يتقدمون لا بد أن نفكر كما يفكرون".. كما قال طه حسين.
على هذا الأساس تم بناء المشروعات النهضوية - الفكرية والسياسية الكبرى، والتي حمل لواءها هذا الرعيل الأول من المنورين الأفذاذ .. فكان مشروع الجامعة المدنية الأهلية لأحمد لطفي السيد. وكان مشروع الاصلاح الدينى على أسس عقلية وعلمية تتوافق مع روح العصر وأسئلته الكبرى للامام محمد عبده .. وكان مشروع تحرير المرأة والانتقال بها الى مستوى من الوعي والرقي النفسي والانساني لقاسم أمين .. وكان مشروع تحرير البحث الأدبي من الأساطير والروايات البعيدة عن المعقولية، واعادة بنائه على أسس العلم التاريخي والفلسفي الحديث لطه حسين ..الخ.
وعلى الجبهة المقابلة كان هناك الفريق الثاني ممن يتفقون مع السابقين فى الحلم نفسه.. حلم الاستقلال والتحرر من الاستعمار، ولكن مع اختلاف فى الفهم والتحليل والتنفيذ : فالغرب عند أصحاب هذا الاتجاه ليس خصما سياسيا احتل البلاد وأذل العباد، بل هو خصم ديني، فهو نصراني (صليبي) يحتل بلاد المسلمين. ولم يتسن له استعمارنا واستضعافنا الا نتيجة لتخلينا عن الايمان وعدم تمسكنا بالأصول الدينية والابتعاد عن المنابع الصافية الأولى التي تجسدها تعاليم النبوة والخلافة الراشدة والسلف الصالح. ومن ثم فالطريق واضح والحل فى غاية البساطة .. فلكي يتحقق هذا الحلم بالتحرر لا بد من العودة الى المنابع الأولى للدين التي حقق من خلالها العرب والمسلمون الأوائل القوة والمنعة بما جعلهم سادة العالم حينا من الدهر ( في خلط واضح بين السنوات الراشدة الأولى وسنوات التوسع الامبراطوري في العهود الأموية والعباسية التي تمثل وقائعها فى المجمل انقلابا سلوكيا وفكريا على الخلافة الراشدة ولا يمكن وصف انجازاتها بالاسلامية !!). وبالتالي فلا خلاص لديهم الا بالعودة الى هذه الأصول واحياء تعاليم السلف . وتلك كانت دعوة الشيخ رشيد رضا ومن بعده حسن البنا.. حتى اذا وصلت الفكرة الى زمن أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، كانت قد تطورت الى مفهوم الحاكمية ودمغ العصر والمجتمع كليهما بالجاهلية، ومن ثم بالكفر الصريح . بما يستوجب اعادة تربية المجتمع والجهاد ضد كل ما وصل اليه من تطور، موصوم بشبهة التأثر بالحضارة الحديثة، والعمل على نفي كل هذه المنظومة العصرية بالاتجاه نحو احياء واقامة دولة الخلافة الاسلامية على النمط التاريخي، الذي أضحى في تفكيرهم بمثابة الفردوس المفقود، خاصة بعد حل الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1924(ولعلنا نلاحظ التزامن النسبى بين تاريخ حل الخلافة العثمانية، وتاريخ تأسيس جماعة الاخوان المسلمين عام 1928، حيث يرى العديد من الباحثين وجود علاقة مباشرة بين التاريخين). وهو الأمر الذي فاقم من الاحساس بأن الاسلام مهدد بتحولات العصر والزمان اللذين بدا أنهما (صليبيان) بامتياز – حسب هذا التحليل. فأصبح مضمرا لديهم في الوعي أو اللا وعي، أن الحداثة (الأوروبية) تمثل نقيضا جذريا للاسلام، أو في الحد الأدنى خطرا داهما عليه. ولذلك نلاحظ نوعا من التربص والتوجس لديهم من كل جديد، سواء على مستوى التكنولوجيا أو النظم السياسية، أو طرز الملابس .. الخ ومن هنا تولدت هذه المشاعر المعادية لحرية الفكر والفن والأدب ولمجمل تحولات ومستجدات العصر .
ورغم تعدد الجماعات الاسلامية وتنوعها، من اخوان وسلفية الى تبليغ ودعوة وجهاد .. الخ، فان الفكرة الرئيسية السائدة عندهم، على الاجمال، لم تخرج عن هذا التحليل الا فى التفاصيل والأساليب والتكتيكات.
وعندما قامت ثورة يوليو 52 لم يكن المنتصر في هذا الصراع أي من الفريقين السابق ايرادهما، نظرا للضعف الهيكلي في البنى الطبقية – الاجتماعية التي يمكن أن تمثل الحامل الاجتماعى للتغيير عن طريق الثورة الشعبية .. تلك البنى التي كانت ترزح تحت وطأة تشكيلة انتاجية اجتماعية أقرب الى نمط الانتاج الاقطاعي (الريعي – الخراجي). وضمت المدينة أخلاطا من الرأسمالية الناشئة والقائمة على خليط من بقايا التقاليد الاقطاعية والممارسات الكومبرادورية التابعة، وكانت هناك الطبقة العاملة التى جرى استغلالها على نحو وحشي وعنيف وتم حرمانها من أبسط حقوقها الاجتماعية ومن معظم الحقوق النقابية والتنظيمية، وشريحة الموظفين الذين كانت تهيمن عليهم القيم المحافظة، والتابعين (في الأعم الأغلب) لأيديولوجيا السلطة بأشكالها المختلفة .. الخ. فتكونت تلك الوضعية، التي تقبع (اجمالا) تحت منظومة القيم الأبوية (البتريركية) والطبقية (الهيراركية)، والتي بقيت تتمتع بنوع من القداسة والمنعة. وهى الوضعية التي شكلت العوامل التي أدت الى ضعف الفاعلية المحتملة للتنظيم الاجتماعى الحر: كالنقابات والأحزاب والجمعيات .. الخ. ورغم قدم (بكسر القاف) الممارسة المدنية ومنظماتها المهنية والسياسية، منذ نهاية القرن التاسع عشر، الا أنها لم تكن من القوة والانتشار بما يجعلها قادرة على تجييش أمة بأكملها وراءها وقيادتها نحو اجماع سياسى عارم، رغم النجاح الذي تحقق في قيادة الاجماع الوطني ضد الاحتلال الانجليزى على نحو استثنائى. كذلك كان مفهوم الاستقلال الذاتي للفرد human outonomy ، باعتباره عنوانا على وجود بناء اجتماعي مدني حر وقادر على حمل أيديولوجيا التحرر بأدواتها التنظيمية والحركية المختلفة، منقوصا بسبب سيطرة القيم الأبوية - العائلية والطائفية.

2- الفريق الثالث:
لكل ذلك كان العسكر، في غالب الأحيان، هم الفريق الأكثر جهوزية واستعدادا (من الناحية التنظيمية) للسيطرة على مقاليد الأمور لحظة قيام وانتصار ثورات التحرر الوطني، أو بعدها. وهؤلاء العسكر، بالطبع، لم يكن منتظرا منهم اقامة أي نوع من الديمقراطية أواشاعة أي نوع من الحرية، بل قاموا باستنساخ أنماط القيادة العسكرية التراتبية الأقرب الى وعيهم وخبراتهم، والأكثر اتساقا مع بنية الوعي والموروث السائدين لدى الغالبية العظمى من الجمهور، وطبقوها على الحياة المدنية. فاقاموا نظاما شموليا تسلطيا واستبداديا (رغم الانجازات الوطنية غير المنكورة التى حققتها التجربة الناصرية على الخصوص) .. ينطلق هذا النظام في بعض الأحيان من نوع من الاحساس بالفوقية والاستعلاء على الجماهير. بل والتعامل معها، في أحيان أخرى، بنوع من الازدراء أوعدم الاكتراث (بصرف النظر عن قلة قليلة من المؤمنين بالخطاب الاشتراكي التقدمي. الذين لم يكونوا مطلقي السراح أو كاملي الحرية فى قيادة ثورة يوليو)، مشبعين في ذلك، وان كان على نحو غير معلن بالطبع وربما غير واع أيضا، بالفكرة الاستشراقية الاستعمارية، التي شكلت أحد روافد ثقافتهم السلوكية باعتبارهم منتمين (كضباط) الى طبقة الحكام ، والقائمة على احتقار الشعب وعدم الثقة به.
ورغم نجاح السلطة المنتمية الى المؤسسة العسكرية في تحقيق نوع من الاستقلال الوطني وقدر معقول من التنمية الاقتصادية، عقب هذه الثورة، الا أن الحرية السياسية للمواطن قد تراجعت الى حدود بعيدة جدا عما كانت عليه قبلها .. تحت دعاوي وذرائع متعددة منها مواجهة العدوان الاسرائيلى أو حماية الثورة .. أو ما شابه .. هكذا ساد نمط الحكم الديكتاتوري وشاع استخدام التعذيب وتم اهدار كرامة المواطن وممارسة القمع الوحشى في مواجهة أي حراك شعبي، ليس في مصر فقط ، بل في كل أرجاء العالم العربى من أقصاه الى أقصاه (نتذكر مصائر شهدي عطية الشافعي والمهدي بن بركة وفرج الله الحلو .. وكل المناضلين من الشيوعيين والاخوان على حد سواء). الى الدرجة التى أصبحت فيها الجمهوريات (التى رفع معظمها شعارات تقدمية تماشيا مع الموضة السائدة في ستينيات ذلك العصر، وأيضا للتمويه والخداع، وسرعان ما تراجعت عن ذلك بتغير الأقطاب وسيطرة الصرعة الجديدة) أشبه بملكيات العصور الوسطى المحكومة برجال العسس والمباحث الساديين .. تقبض على السلطة بالحديد والنار وتقوم بتوريثها (في التطور الذي طرأ في الفترة المتأخرة) للأبناء، وتقوم بتوزيع ثروة الأوطان على المحاسيب والمقربين من رجال (البلاط). 
وهكذا تأجل مشروع تحرر الانسان العربي طويلا، رغم تحرر الأوطان. حتى هذا التحرر الذي أفضت اليه ثورات الاستقلال الوطني، ما لبث أن تحول فى السبعينيات الى نوع من التبعية التي تسترها سيادة شكلية .. وصلت فى نهاية المطاف الى تبعية سياسية واقتصادية كاملة فى عهد مبارك ومعظم الحكام العرب المعاصرين له. تم هذا بالترافق مع ظهور الشرائح الرأسمالية الطفيلية المرتبطة عضويا بالرأسمالية العالمية ذات النزوع الامبريالي، وتدشين اجراءات تتبنى مفاهيم اقتصاد السوق القائم على الارتباط العضوي بالرأسمالية العالمية، بصرف النظر عن حاجات المواطنين وحاجة التنمية الوطنية والظروف الخاصة التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني المتخلف والمنتمي الى اقتصادات العالم الثالث أو ما دونه. مما أتاح الفرصة لقيام نوع من النهب المنظم للثروة الوطنية والافقار المنهجي والمتواصل للطبقات الوسطى والكادحة.
في الوقت نفسه، سيطر على هؤلاء الحكام نوع من الاعجاب المضمر بالغرب مصحوبا باحساس مفعم بالدونية تجاهه، وعجز مهين عن صيانة المصلحة الوطنية من بين براثنه، وصل مؤخرا الى حد الممالأة المفضوحة لقوى الاستعمار والصهيونية وتخل واضح (يصل الى درجة التواطؤ والتآمر في حالة مصر)عن السيادة الوطنية والقضية الفلسطينية معا.
كل ذلك جاء مصحوبا بجرعات من التخريب المقصود لوعي الشعب عن طريق وسائل اعلام مدجنة وتعليم مشوه ومتدن، وقمع نفسي وبدني ممنهج للطلائع الوطنية المعارضة، وصل في بعض البلدان (ولا يزال حتى هذه اللحظة) الى درجة اقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وارتكاب مذابح حقيقية في حق الشعوب. طالت جميع القوى التي حاولت التغريد خارج سرب الحزب الواحد والرئيس الأبدي.
لقد كانت النتيجة الطبيعية لكل ذلك هي تجريف التربة المدنية وافقار الشرائح الرئيسية المكونة للطبقة الوسطى الحاملة للأفكار المدنية وصاحبة المصلحة فيها، ونفي وطرد أنبغ عناصرها ومفكريها الى الخارج.
3- جماعات الاسلام السياسي
واذا أضفنا الى ذلك عجز هذه النظم التسلطية عن بناء منظمات حزبية حقيقية واقامة حياة سياسية جديرة بأي نوع من الاحترام، ومع تجفيف منابع الفعل السياسي المدني، على النحو السابق، ايراده الى جانب سيطرة أجواء القمع والقهر والانحطاط الفكري والثقافي، فقد عانت الحياة السياسية من فراغ فادح وفقر مريع، لم يكن من الممكن أن يفرخ ذلك الوضع الا أنواعا من الوعي النووي الأولي البسيط الذي يمكن أن توفره المواعظ الدينية وكتب السحر والغيبيات .. وعلى ذات الموجة وبنفس الدرجة .. ظهور جماعات (الاسلام السياسي)، التي ازدادت قوة وتجذرا، رغم هيمنة مناخات القمع والقهر على بلداننا (كما أسلفت). مستفيدة في ذلك (أي هذه الجماعات) من كل أشكال الانحطاط التي وصلت اليها هذه المجتمعات. وممثلة، في الآن ذاته، لأحد أبرز مظاهر هذا الانحطاط ومكوناته العضوية بامتياز، نظرا لبعدها المذري عن كل ما حققه عصرنا من خبرات معرفية وتطور علمي وحضاري على مختلف الصعد. وكذلك لاستعدادها الانتهازي لأداء أدوار سياسية تقوم على تحالفات غير مبدئية مع هذا النظام فى مواجهة قوى اليسار، التي حاولت منذ بداية السبعينيات ايقاف عجلة الانقضاض على المنجزات الوطنية والمكتسبات الاجتماعية التي تحققت فى زمن الحقبة الناصرية في مصر. كذلك استفادت تيارات الاسلام السياسي من الخطة الريجانية - الثاتشرية القائمة على تديين العالم لمواجهة الخطر الشيوعي الذي رأوا أنه داهم، بعد التدخل السوفيتي في أفغانستان . فتمت عمليات دعم وتسليح ودعاية واسعة النطاق لهذه الجماعات، الى جانب العمل على تديين وأسلمة الأفق الاجتماعي والثقافي العام، لتحقيق نفس الغرض (وصل الأمر الى حد مناداة البعض بأسلمة العلوم بانشاء علم اقتصاد اسلامي وعلم اجتماع اسلامي .. الخ)، وانتشر ما سمى بالدعاة الجدد (والقدامى بالطبع) والقنوات والاذاعات الدينية.
وكان للمال النفطي السعودي دور محوري في دعم وتقوية هذه القوى وتمكينها من شراء الولاء وتقديم الرشاوى الانتخابية (حتى هذه اللحظة هناك كراتين الزيت والسكر التي توزع على الفقراء وستزداد هذه الفاعلية فى شهر رمضان القادم) لشراء ولائهم.
ولقد كان للتحدي الديني الذي خلقه وجود الكيان الصهيوني في فلسطين تحت ذرائع دينية .. وطرح فكرة يهودية الدولة الاسرائيلية مؤخرا، دور هائل فى استفزاز مشاعر التعصب المضاد في الجانب الاسلامي . فأسهم التعنت والاستكبار الاسرائيلى في ايجاد أرضية بالغة المتانة والاتساع لقوى التطرف الديني لدى قوى الاسلام السياسي.
كما كان لواقع الاحباط والافقار واليأس والهزائم الدور الأكبر فى دفع قطاعات واسعة من الجماهير الشعبية، وبخاصة في الأرياف والمناطق الشعبية والفقيرة الى أحضان التدين، وبخاصة، الشكلي ذي المسحة الصحراوية الوهابية، الذي وصل في أحيان كثيرة وعند بعض الجماعات، الى درجات من التعصب والعنف ضد كل من يخالف وجهة نظرهم تحت مسميات الجهاد ..
لذلك فان المستفيد الأول والوحيد من كل ممارسات القمع والخيانة اللتين قام بهما النظام المخلوع من قبل الثورة الراهنة، والمستفيد الوحيد من وجود وتعنت الكيان الصهيوني في فلسطين والمستفيد الوحيد من المال النفطي .. كان قوى الاسلام السياسي والقوى الرجعية بصفة عامة، جنبا الى جنب مع قوى الفساد والرشوة ونهب المال العام. تارة باعتبارهذه الجماعات، سلطويا، نقيض الشيوعية المرعبة، وتارة أخرى باعتبارها، شعبيا، نقيض اللصوص والمطبعين من رجال السلطة، وتارة ثالثة من خلال حالة الاستقطاب الديني الذي حققه وجود اسرائيل .. وتارة رابعة بقيام السلطة البائدة بمحاصرة وقمع كل الحركات والقوى والأحزاب السياسية المعارضة. فلم يتبق في الساحات سواها ..
 ليس هذا فقط ، بل انها تتحرك من خلال المقدس الديني الذي يحوز منذ البداية افتراض الصواب المطلق لدى العامة والبسطاء، الذين اعتادوا تبجيل كل من يحمل صفة دينية، ولايجرؤون على مناقشته أو الاختلاف معه.
4- اختطاف ثورة الشعب :
لقد قامت ثورة 25 يناير ردا على وجود الفساد والخراب الذي أضحى مقننا وعلنيا ، وفي الوقت نفسه، الانسداد السياسي الذي بدا فى أفق الحياة المصرية بعد احكام الحصار حول القوى السياسية الرسمية (الأحزاب) والتزوير العلني للانتخابات الذي أصبح هواية أدمنتها أجهزة المخلوع. ومن ثم أصبح الفعل القانوني والدستوري مستحيلا، فانفتح الباب على مصراعيه الى الفعل الثوري الشعبي العارم الذي بدا أنه لامناص منه. 
وبسبب هذا الضعف للقوى السياسية  فانها لم تكن لتقوم هي بتفجير الثورة (لقد مهدت نضالات القوى السياسية وحركات الاحتجاج الاجتماعية لها بالطبع) لكن قام بها الشباب غير المسيس ولا المحاصر ولا المثقل باحباطات القوى السياسية ولا المقيد بالقيود الأمنية التى كبلتها. فكان هذا الشباب بمثابة النقيض الثالث الأكثر تطورا، حسبما تقول قوانين الجدل المادي. ولكن هذا الشباب منفرط وغير منظم فى أحزاب بعد، وخبرته السياسية محدودة وأشخاصه وقادته عير معروفين للجمهور العريض ..  ولأن الثورة تحتاج في النهاية الى من يترجم حصيلتها الى فعل سياسي على الأرض، فان القوى الأكثر عددا والأكثر تنظيما هي التي تربح الكعكة .. وهذا ما يحدث الآن بالفعل، حيث توارى الثوار ومن بذلوا الدم، أو تم دفعهم الى الخلف وتقدم السلفيون والاخوان .. ومن لم يفصح عن وجهه بعد!!!.
فهل تم اختطاف ثورتنا وانتهى الأمر؟ أم لا زالت هناك فرصة لتثبيت مدنية الدولة المصرية واستنقاذ مصر من تهديد براثن الصحراويين الى نور الحرية والمدنية؟ 
أظن أن الاجابة هي: لا  .. لن تختطف مصر . لأن مدنية مصر أقوى .. وقوة الزخم التاريخي والثقافي التنويري في مصر كبيرة جدا .. ولأن الشباب البديع الذي دفع الثمن دما وجراحا من أجل الحرية لن يقبل عودة الديكتاتورية بثوب ديني هذه المرة.. ولأن الشعب المصري وان كان متدينا بطبعه، الا أن تدينه طبيعي ووسطي ولا يقبل أن يملي عليه أحد نوعا آخر من التدين . ولأنه قد آن الأوان لانشاء أوسع جبهة ممكنة بين كل القوى الديمقراطية والمدنية في مصر ، من أجل الحفاظ على مدنية مصر وديمقراطية نظامها السياسي وحرية أبنائها.
هل ما أقوله يعد من الحقائق أم الأمنيات ؟؟
                                      ربما كان الاثنين معا..

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصبر والعزيمة لسوريا

featured

نصارى العرب... جذور وتاريخ!!...

featured

لحماية القرار الفلسطيني المستقل!

featured

الخدمة المدنية ظاهرة خطرة يجب التصدّي لها

featured

أبو أكرم زيتونة أصيلة من زيتون شعبنا

featured

عَــصرُ اللعنـات الافتراضيَّــة