استبداد

single

كما في كل عام، ومع حلول موسم الأعراس والأفراح، يكثر الكلام وميزته الأولى تبقى تأفف العامة عما تسببه تلك المناسبات من أثقال وإرباك تزيد على سوء الحال سوءاً وكأنها أضغاثٌ تراكم على إبالة.

ومجلسي، الذي جمعني ببعض الأصدقاء والأخوة، في نهاية هذا الأسبوع في البلدة، أخذنا للحديث عن هذه القضية، التي ما لبثت وكثرت شجونها، فوجدتنا نتحدث عن واقعنا وواقع مجالسنا المحلية وعن إسرائيل واستبدادها وما تنكله بنا، مواطنين ومجالس، حتى أمسينا نُضرب ونخشى الأنين، نُحرم ونلوذ بالسترة والكتمان، فما أدراك ما الاستبداد إن طغى.

كان الحديث، كما قلنا طويلاً ومتشعباً، وكانت قضية مستخدمي المجالس المحلية وموظفيها، واحدة من تلك القضايا التي خضنا غمارها فأحزنتنا واستفزت بعضنا، فهل يعقل أن يترك مئات من هؤلاء طيلة شهور عديدة في كفرياسيف، كما في غيرها من البلدات العربية، وهي التي تهمنا في هذا المقام، دون أن يتقاضوا رواتبهم بانتظام، لا لجرم ارتكبوه أو مبرر يستساغ؟ فبأي حق يقع مثل هذا الظلم والإذلال؟ وفقاً لأي قانون أو شريعة يسكَت عنه؟ وكأن البشرية لم تعر هذه المسألة حيزاً وإنصافا ويكفي أن نذكر بما جاء عن النبي العربي من حديث، أكد وجوب إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. لقد جف العرق وثقبت الجيوب وذلت كرامات فإلى متى؟ ولماذا؟

بعضهم أجاب أن المستخدمين يخشون الاعتراض لأنهم يخشون سطوة هؤلاء المشغلين، فتجربتهم علمتهم أن يصغروا عن حقهم، لا من باب جرح يدمل في القلب ويجرح، إنما من باب محتاج ذليل خائف إن لم يعجبه الوضع، فغيره، وهم كثر، ينتظرون الوظيفة والمعاش.

المسألة إذاً استبداد شامل. إسرائيل تستبد وتطغى وهي كسلطة لا تأبه لعيشنا وتصر على أن لا يكون رغيداً والأولى، هكذا هي السياسة، أن تدار الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة ولكن شؤوننا، على ما يبدو، ليست مشتركة مع شؤونهم وبالتالي لا حكمة ولا إنصاف ويتبقى لنا "الهوى" والتعسف وهما الاستبداد والتجبر بعينه.

أكتب هذا عائداً لما كتبه واحد من أوائل طيلعي الشرق في كتاب خصه واصفاً "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، وذلك قبل أكثر من قرن من الزمن. وإليه أعود ولا حاجة للاسترسال في علم السياسة والإدارة الحديثين وما كتب عنهما وبخصوصهما.

فما أجمل أن تقرأ أن الاستبداد هو ان يتصرف الفرد او جمعٌ في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعةً. وإن كان هذا التوصيف صحيحاً قبل أكثر من مائة عام فما بالكم به اليوم؟

إسرائيل تستبد وتظلم ولن نكف عن ذكر هذا والتذكير به والحث على العمل ضده، كمواطنين أصليين على تراب هذا الوطن. ولكن عندما تسمع عاملاً محتاجاً يخشى إدارة مجلسه ولا يقوى على أن يسمع حشرجةً، الطامة كبرى، فهذا هو استبداد لا يمكن السكوت عنه والتغطية عليه.

نحن نتحدث لأننا نريد أن يسوسنا أحرار، فلن يكون مستبد حراً ولا يستطيع أن يعيش خائف حراً.

هكذا علمنا التاريخ من فجره والى اليوم وهكذا قيل أيضاً في حال أمتنا قبل أكثر من مائة عام "فأمة لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية"!

نحن مع إدارات مجالسنا ضد سلطة القمع والقهر والتفرقة العنصرية وسنبقى نعمل ضد سلطة القمع هذه حتى إذا استنكفت بعض الإدارات ولم تعل صوتاًً أو تحرك ساكناًً في وجه ما يمارس ضدنا نحن الفلسطينيين في هذه الديار.

ولكننا نحن مع هؤلاء المقموعين الذين يعملون وتحجب أجورهم، يجوعون ويسمعوا أولادهم قرقعة الحجارة في ذلك القدر المهين. نحن مع إدارات سليمة، حرة ومنصفة لا تستأثر برأي يغيِّب حقاًً على غير ذي وجه ومع إدارات لا يملؤها غرور وتأنف من قبول النصيحة فمن يفعل ذلك هو المستبد.

آلمني، أنا وصحبي في تلك الجلسة، ذاك الموظف الخائف المحتاج. آلمنا ذله واستفزنا ان نعيش ونحيا في مجتمع يرضى بمثل هذه المعادلات فيصلاً يهندس رقعة حياته. بعضنا قال وآمن، أن لا فائدة ولا أمل فالمستبدون لا يتولاهم إلا مستبد والأحرار يتولاهم الأحرار. هذا ما قاله أيضا، عشرات الخطباء الأحرار في قرانا ومدننا العربية حينما أكدوا، "كما تكونون يولى عليكم" .


وبعضنا ردد في تلك الجلسة ما قاله ميكيافيلي: "بأن البشر لايفعلون أي خير إلا بالضرورة".

مهما صحت أقوال كهذه وما شابهها تبقى، برأيي، كفرياسيف تحديداً بستاناً جميلاً وتقول لكلِّ متأمل ومؤمن بالممكن، حينما يسأل المستحيل عن مكان إقامته يرد هذا أنه يقيم في أحلام العاجز. وأنا، مثلك أيها القارئ، أخشى وأرفض أن أحيا عاجزاً فما رأيك؟.

قد يهمّكم أيضا..
featured

أجواء ميلاد المحبّة في غياب الأمن والعدالة

featured

ما يوجع الاحتلال فعلاً!

featured

تجارة السلاح وتأجيج النزاعات المسلحة بين الأمم والشعوب

featured

حذار من سياسة دق الاسافين!

featured

من حقي ان اغضب

featured

متى تكون الافكار كأشعة الشمس؟

featured

أمن الشرق الأوسط من أمن وحرية الشعب الفلسطيني

featured

علامات الشيخوخة الخفية..!