*هذه تشكل أولوية ومصلحة عليا للسياسة الأمريكية عسكريًا واقتصاديًا*
//
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945، تم تشكيل قطبين ونظامين سياسيين متناقضين، اشتراكي ورأسمالي، وهو ما أفرزته نتائج الحرب، بالأساس في القارة الأوروبية وانقسامها إلى معسكرين وتأثير هذه المجريات على الساحة الدولية. وقد خرجت الولايات المتحدة من هذه الحرب التي لم يكن لها لا ناقة ولا جمل فيها أكثر قوة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، مما أهلها من جديد لإعادة تنظيم المجتمع الرأسمالي في القارة الأوروبية وتوزيع الأدوار على الشركاء الغربيين بما يتلاءم والمرحلة الجديدة من الصراع العالمي، حين أخذت على عاتقها، مهمة التصدي للنظام السياسي والاقتصادي الجديد أي الاشتراكية ومحاربة الاتحاد السوفييتي، بهدف إخضاعه وإضعافه وإنهاك قواه الاقتصادية والاجتماعية والحياتية، عبر زيادة وتيرة التسلح العسكري غير المتكافئة بين النظام الاشتراكي الناشئ لتوه، وبين النظام الرأسمالي المسيطر على مقدرات وخيرات الشعب، بل الشعوب الأخرى، وله في هذا الحقل الكثير من الخبرة والتجربة في عملية البناء والتحسين والبحث العلمي دهرًا كاملا.
خلال هذه الفترة، فترة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، استعرت الحرب الباردة بين كلا المعسكرين، وبدأ سباق التسلح يأخذ طابعًا عدائيًا غير متكافئ، تمحور بين الدفاع عن منجزات الاشتراكية وحماية سلطة العمال والفلاحين الجديدة، وبين شراسة الرأسمالية الأوروبية والأمريكية بالذات، في محاولة لخلق متاعب وإشكالات وتأجيج الثورة المضادة في الداخل للقضاء على الاشتراكية.
خلال هذه المرحلة من الصراع وبدعم ومساندة الاشتراكية كنظام جديد، اشتد النضال التحرري للشعوب، وخاصة شعوب المستعمرات في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، وأصبح الفرز السياسي والطبقي أكثر وضوحًا ونضوجًا في مجابهة الدول الاستعمارية واشتدت سواعد حركة التحرر العربية بقيادة الشيوعيين والقوميين الوطنيين والأحرار في قيادة النضال التحرري للشعوب.
لكن الدول الاستعمارية في أوروبا والولايات المتحدة بالذات، استجابت سياسيًا لطموحات الشعوب بالتحرر والاستقلال، تحت تأثير الضغط الشعبي الجماهيري والعسكري عبر الكفاح المسلح وقيام الثورات الوطنية المعادية للاستعمار.
*الاستعمار الجديد*
صحيح ان الدول الامبريالية التي أنهكتها الحرب الكونية الثانية مثل فرنسا وبريطانيا وغيرهما، قد لفت ذيولها، ما بين الضغط الجماهيري والعسكري للشعوب والضغط الشعبي المحلي لشعوب هذه الدول، بإنهاء عهد الوصاية ونظام المستعمرات. هذه الدول بخروجها وإنهاء نظام المستعمرات، قد تركت بؤرً ونزاعات وجروحا وبصمات استعمارية لا تمحى خلال قرون طويلة. ويبقى الجرح ينزف وابقاء تبعية الأنظمة والشعوب المستقلة حديثًا ضمن وصايتها الطبقية والسياسية والاقتصادية. فالامبريالية والاستعمار الجديد، بدلا سيطرتهما باستعمار اقتصادي اجتماعي موجه بالأساس لعلاقات الإنتاج، وارتبطت مع مصالحهما، فئة صغيرة من البرجوازية الطبقية وكبار الملاكين والتجار وبعض فئات المثقفين والمنتفعين، ونصبت فئات ومشايخ وعائلات لإدارة شؤون بعض البلدان والمستعمرات التي كانت تحكمها مثلما هو قائم في سيطرة آل سعود في السعودية وآل الصباح في الكويت وآل نهيان من الإمارات وآل قابوس في عُمان وآل حمد في قطر وغيرها، وأخضعت السياسة والاقتصاد للكثير من هذه الدول، للسير في فلك سياستها الرأسمالية الاحتكارية وأدخلتها في تحالفات سياسية وعسكرية تحت غطاء الحماية والأمن. وبالمقابل أججت الدول الاستعمارية الرأسمالية الغربية، النزاعات والحروب في العالم، ورسمت الحدود بين الدول وفق مصالحها بهدف إشعالها متى تشاء، وأمعنت في نهب الثروات الوطنية من نفط ومعادن وأغرقت سوق هذه الدول ببضائعها الاستهلاكية. وأبقت هذه الدول والشعوب أسيرة لسياستها الاقتصادية وصندوق النقد الدولي وضرب علاقات الإنتاج الجماعية.. خاصة القطاع العام. في هذه الحالة استعر الصراع الداخلي على السلطة، مما ادخل هذا البلد أو ذاك في نزاعات وحروب أهلية لسنوات قادمة. مثلما جرى في الصومال وأفغانستان واليمن والسودان وجنوبه ولبنان.. وها هما العراق وسوريا تغرقان في دوامة العنف والصراع على السلطة وهكذا الكثير من الدول في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية.
وتقف الولايات المتحدة اليوم على رأس الدول الامبريالية، في تصدير وإشعال بؤر التوتر ودعم الحركات الانفصالية، ورعاية الإرهاب العالمي والتدخل المسلح وتغيير أنظمة وضد من لا يروق للسياسة الأمريكية تحت مظلة الحرية والديمقراطية والانفتاح، وحقوق الإنسان بدعوة محاربة ما يسمى الإرهاب العالمي والتطرف الديني. فالولايات المتحدة الأمريكية بكل إداراتها ورؤسائها وسياستها العدوانية، تتحمل مسؤولية كاملة مع سابق الإصرار والترصد، عن الكثير من النزاعات والحروب الداخلية الدولية والإقليمية. بدءًا من النزاع العربي الفلسطيني الإسرائيلي إلى التهديد بضرب الجمهورية الإسلامية، تحت غطاء التصنيع النووي. لذا نجد ان المصلحة الطبقية فوق كل اعتبار، ففي كل حرب أو نزاع صغيرًا كان أم كبيرًا تبحث فيه عن كيفية جني الأرباح الطائلة في السلب والنهب وتصدير وبيع السلاح لكلا الطرفين المتحاربين. وتبقى أمم وشعوب تعاني الفقر والمجاعة في الوقت الذي وصل فيه التطور العلمي إلى أعلى مستوياته. ونجد في عالمنا المتغير والمتبدل في كل لحظة ملايين الملايين من الناس والبشر وهم الأكثرية الذين يعانون الجوع والمرض والحرمان والفقر بل الحروب بكل أشكالها وتفاوت في درجاتها. الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها من المجرورات الغربية الحليفة لها في الحروب وسفك الدم والسلب والنهب والقمع والاحتلال والدوس بأقسى ما يمكن على الديمقراطية الحقيقية وحقوق الإنسان، إذ بلغت صادراتها من الأسلحة المتنوعة سنة 2011 إلى دول مثل الأردن، أفغانستان، إسرائيل، السعودية وبعض دول الخليج، الى حوالي 44 مليار دولار. فلو أمعنا النظر قليلا في الأرقام والمعطيات والخلفيات السياسية والطبقية لهذه السياسة، نجد ان الولايات المتحدة.. حلفاءها الغربيين والرأسمالية الاحتكارية وشركات إنتاج شتى أنواع السلاح والذي تديره المؤسسة والمجتمع الصناعي العسكري بالتعاون مع وزارة الحرب الأمريكية والكونغرس وبإشراف الإدارة الأمريكية، فهذه الحثالة الطبقية التي تجني وتربح وترقص وتغني تنتج وتصدر الحروب للبشرية، لا تكتفي بل تواصل إنتاج المزيد ولو على جماجم الشعوب والأمم وتطورها وازدهارها. فالأرقام وحدها تساوي ميزانيات للعديد من الدول ولسنوات عديدة، وبما ان هذا الثراء والربح الفاحش لكبار مصاصي دم الشعوب، كان الأجدر ان يذهب للصرف على الرعاية الصحية والتعليم والبحث العلمي المدني. وإعداد أماكن عمل واستصلاح الأراضي ومكافحة المجاعة وقوى الطبيعة، والبحث عن مصادر للطاقة وغيرها.
ان غالبية المبيعات الأمريكية من السلاح تذهب إلى دول في الشرق الأوسط، لأنها المنطقة الوحيدة الأكثر التي تتكون وتتجمع فيها مصالح الرأسمالية الاحتكارية باعتبارها سوقا كبيرة جدًا لمصانعها العسكرية. فيما تتنافس الشركات مع أنظمة هذه الدول على عقود البيع والشراء، حيث تقف إسرائيل كالابن المدلل للسياسة والاحتكارات الأمريكية، تأخذ ما تشاء من السلاح ولها الكمية والنوعية والكيفية والتسديد غالبا ما تكون الفائدة مدفوعة، أو على شكل هبات وجزء منه تسديد مقابل مواقف وأجرة شهرية أو سنوية تجنيها إسرائيل لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، و"الوقوف في وجه الإرهاب العربي والفلسطيني بشكل خاص" والتصدي للإرهاب والنفوذ الأمريكي والمد الإسلامي والديني في المنطقة. ولذلك سعى الأمريكيون بسياستهم المنحازة إلى إسرائيل بجعلها متفوقة دائمًا على كل جيرانها. وإبقاء حمام الدم ينزف وينزف إلى ما لا نهاية، بينما يتدفق المال العربي وغيره إلى الخزينة والرأسمالية الأمريكية إلى ما لا نهاية.
*كيف يمكن مواجهة هذه السياسة*
من المهم والواجب تقوية الخط والسياسة، ودعم القوى التي ترى ان السياسة الغربية والأمريكية بالذات، بأنها هي الأخطر والأكبر والوحيد على شعوب المنطقة ومصالحها، والواجب الاممي والعربي التقليل وحل النزاعات بين الشعوب بالمفاوضات والحوار وتجنب المواجهات، وعدم إفساح المجال للغرب والأمريكيين، بان يكونوا وسطاء للحوار والمصالحة، سواء بين الدول أو المصالحة الوطنية الداخلية، والابتعاد ورفض الدخول في أحلاف عسكرية وسياسية مع الولايات المتحدة وحلفائها، تحت ستار محاربة الإرهاب العالمي، على شاكلة مؤتمر أصدقاء سوريا، أو الدفاع عن ما يمس بحقوق الإنسان، أو حماية الديمقراطية. ان صيانة الوحدة الوطنية في أي بلد مهما كلف الأمر، فهي الكفيلة بالقيام بالأمور الأخرى والدفاع عن منجزات الشعب المتعددة ولهذا يتطلب التقليل من الاعتماد على الغرب والأمريكيين بالذات واتباع سياسة اقتصادية مستقلة مدعومة من الشعب وفق عملية الإنتاج المحلية الوطنية على مبدأ ننتج محليًا ونأكل ما ننتجه بهدف تطوير الزراعة، وإشراك الشعب في عملية الإبداع والإنتاج الوطني في المحافظة على ثروة البلاد الوطنية ومواردها. وعدم التعامل أو الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين يعملان على تدمير الاقتصاد الوطني لأي بلد. ان تصدير وإشاعة الديمقراطية وتشكيل الأحزاب السياسية وإجراء الانتخابات البرلمانية، وتشكيل دستور للبلاد يضمن الاستقرار والأمن وإقامة وانتهاج سياسة سلمية ووطنية مع الجيران على قاعدة مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي طرف من الأطراف، وبناء جيش وطني أساسه المحافظة على النسيج الوطني والاجتماعي للشعب وعلى السلم الأهلي والدفاع عن امن الوطن والمواطن.
ان محاربة السياسة الأمريكية، هو واجب إنساني وسياسي ووطني لكل من تضرر واكتوى بنارها. هذه السياسة التي تضرب عرض الحائط بأماني وتطلعات وهموم الشعوب، وتعمل بمكاييل مختلفة سياسية وطنية وإيديولوجية بما يخدم أهدافها ومصالحها الطبقية فقط.
منذ أكثر من خمسة عقود والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تصنف نفسها كوسيط بين إسرائيل والعرب والفلسطينيين بشكل خاص. بينما في الواقع نرى الوطن الفلسطيني والأرض يرزحان تحت الاحتلال المدعوم أمريكيا وبناء المستوطنات في القدس وغيرها على أشده، ومطلب إقامة الدولة الفلسطينية في حدود 67 مرفوض إسرائيليا وأمريكيا على ان لا يتعدى الضريبة الكلامية والمجاملة الدبلوماسية.
خمسة عقود من الدبلوماسية الأمريكية والانحياز ليس لإسرائيل فقط وإنما التغطية الدولية والدفاع عن سياستها العدوانية، والالتزام الكامل بالدفاع عن امن إسرائيل وليس امن شعوب المنطقة من عدوانية إسرائيل. ولهذا تبدو إسرائيل اقوى مما سبق وتلعب كما يحلو لها كالصبي المدلل الذي يبكي كثيرًا على نفسه ثم يصرخ باستمرار كي ينزل دموع التماسيح كي يحصل على أكثر ما يريد.
أمريكا والغرب يمدون دول المنطقة وغيرها بمختلف أنواع السلاح، لكن إسرائيل لها الأكثر والأفضل، لها السلاح والمال والغطاء، لها وما عليها فالسياسة الأمريكية هي الطاعون والطاعون هو المال والسلاح الذي لا ينضب والمخضّب بالدماء.
(كويكات/ أبو سنان)
