لذكرى الحبيب أبي حبيب

single
على امتداد أكثر من عَقدين كان أبو حبيب طبيبي. في زياراتي له كانت عيادته تتحول إلى حجرة دفء لأحاديث عبيرها أدب وتجليّاتها إبداع.
لا أذكر يومًا زرته لإجراء فحوصات عادية إلا ووجدت "الاتحاد" تجاور سمّاعته التي أسمعته خفقان صدري ونبض نبضي. كان الدكتور سليم مخولي ينتظر عيادتي لعيادته ليُسمعني تعليقًا على مادة قرأها في صحيفتنا الحبيبة وفي سواها من إبداعات المبدعين.
لقد أمستِ "الاتحاد" في محضرنا سمّاعة معرفة من خلالها نسمع نبض حياتنا السياسية والاجتماعية في هذا الوطن المثقل بالعواصف والأنواء. لا أغالي إذا ما قلت ان عيادته الخاصة لم تكن إلا محراب عناية وتلاقح أدبي لأمثالي من مرضاه بل أصدقائه الكثيرين.
لا أتقن احتراف الاماديح الكاذبة فأنا من أعدائها ما حييت.. ثمة أشياء تلتصق بالذاكرة لا تبرحها مهما مضت السنون. في الحديث عن سليم أتنسم عبير التواضع فهو الذي ألحّ أن أخاطبه بعيدًا عن بريق الألقاب. في حضوره وغيابه، لا أملك إلا طيب الكلام. "الكلمة الطيبة صدقةٌ" هكذا علّمنا نبيّ العرب. في كلامي لا أتصدّق على صديقي وفارسنا المترجل.. ولا أتصدق على أحد من محبيه بل أقولها بصدق يرفض أصباغ الرياء بأن سليمًا كان عِلْمًا يستوطنه فن وأدب وحسّ وطني اجتمعت بأقانيمها الثلاثة لتحيك شخصية أديبنا الأريب.
عطرك أيها الصديق يفوح منه الشموخ فأنت الذي لم تحرق بخورًا لحاكم من الحكام.. وأنت الذي لم تغرّد يومًا خارج السرب الوطني ولم تخشَ في قول الحق لومة لائم. سيبقى رحيلك غصّة في حلق وقلب محبيك من أهل وأصدقاء.
قلائدك في الفن والأدب التي رصّعتها بدفء وصدق كلمات الإهداء ستبقى ألقًا على رفوف مكتبتي.
في إحدى رسائله لسلمى الحفّار، يقول نزار قباني:
"الكلمة هي الرب الوحيد الذي يستحق أن نمنحه زيتنا وشموعنا.. هي النافذة الأخيرة التي بقيت لنا على السفينة التي تقطعت حبالها ومات ربّانها."
في ذكراك أيها الأبيّ الأصيل لا يأبى أصدقاؤك إلا أن يمنحوا زيتهم وشموعهم لك ولما تركت من شعر ونثر ولوحات.. على روحك ألف تحية وألف سلام.
قد يهمّكم أيضا..
featured

كل كلامك على.......

featured

(في تْراب باقي تْراب وفي تْراب عم يمشي)

featured

"الجرف الثابت" وخطايا الخيارات

featured

مأساة الكرمل ... ومسؤولية الساسة

featured

ثورة شعب .. شبّ على الطوق

featured

ماذا يريد الانسان في الحياة؟

featured

بـَـينَ حدَثيـْن: يوم الأرض وهبّة الكرامة.. العزّة والـعَرض