عقد في دولة سويسرا بناء على نشاط وضغط حزب اليمين المتطرف الذي يحظى بأغلبية المقاعد في البرلمان السويسري استفتاء عام موضوعه الغاء بناء المآذن في الجوامع الاسلامية. وهذا يعني أولاً منع التكبير في الجوامع لدعوة المسلمين الى الصلاة في أوقاتها. ان مجرد عقد هذا الاستفتاء يعتبر ثانيا توجها عنصريا وقحا وسافرا معاديا للمسلمين وللحقوق الدمقراطية حول ضمان حرية الفرد والمجموعة في ممارسة المعتقد الفكري أو السياسي أو الديني الذي تدين به وتؤمن به وتختاره، وبشرط أن لا تودي هذه الحرية الدمقراطية الى الحد من الحرية الدمقراطية للآخرين. واقامة المآذن في الجوامع بهدف اداء احدى فرائض الدين الاسلامي بدعوة المؤمنين الى الصلاة لا يرافقها أبدا الدعوة الى اغلاق الكنائس المسيحية والكنس اليهودية أو اخماد أنفاس وسائل دعايتها الدينية.
ان القضية بجوهرها ومدلولها الحقيقيين ليست قضية دينية أبدا بل قضية سياسية من الدرجة الأولى تندرج في اطار اخراج الشيطان العنصري من القمقم لتأجيج الكراهية والعداء للأجانب، اسلامًا كانوا أم أفارقة سود البشرة، وذلك بهدف التغطية على عيوب النظام الرأسمالي المزمنة ولصرف أنظار الجماهير الشعبية الواسعة عن الأسباب الرئيسية لمآسيهم الاجتماعية، للبطالة الواسعة ومظاهر الفقر وغياب العدالة الاجتماعية. ففي مختلف بلدان الاتحاد الأوروبي الصناعية المتطورة وفي الولايات المتحدة الأمريكية تنشط مختلف الأحزاب اليمينية المتطرفة والعصابات الفاشية العنصرية ومافيات الاجرام المنظم من قطعان حالقي الرؤوس الذين يبثون الكراهية والعداء للأجانب، للعمال الأجانب وللملونين ويطالبون بطردهم وبالانتقاص من حقوقهم في المساواة وتنظيم الاعتداءات الدموية على الأجانب من العمال وعلى المواطنين من أصول افريقية أو من بلدان جنوب شرق آسيا، من الهند والباكستان وأندونيسيا وأفغانستان والفلبين وغيرها. فالعولمة الرأسمالية الخنزيرية يرافقها عولمة عنصرية عدوانية عرقية وحشية ضد الأجانب من مسلمين وغيرهم ومن أصول افريقية وآسيوية وذلك بهدف تحويل نقمة الجماهير الشعبية في البلدان الرأسمالية الصناعية ضد الأجانب والمسلمين وكأنهم يتحملون مسؤولية أكل رغيف خبزهم وكأنه عمل المواطنين الأصليين وليست مسؤولية نظام الاستغلال والتمييز والاضطهاد القومي والطبقي الاجتماعي وحتى الديني الرأسمالي.
ما جرى في سويسرا سابقة سياسية خطيرة، اذ على اثر ظهور نتائج الاستفتاء بتصويت أكثر من خمسين في المئة مع منع بناء المآذن انطلق عواء ذئاب العنصرية والكراهية للمسلمين والأجانب من أوكارها في هولندا وفرنسا والنمسا وألمانيا يرافقها تهليل اسرائيلي شبه رسمي داعمًا لهذا التوجه الفاشي العنصري. وما نأمله أن تدرك الشعوب الأوروبية وغيرها أن الفاشية العنصرية اذا بدأت تفترس وتقطع في اللحم الحي من أجساد الأجانب تحت يافطة معاداة المسلمين والملونين فلن تتوقف عند هذا الحد ولن تسلم "أية لحية من النتف" ولن تسلم أية قوة دمقراطية وتقدمية من الملاحقة والتصفية. ولعل الأمثلة المخضبة بدماء الفاشية الهتلرية النازية والفاشية الايطالية أكبر مثل على ذلك، وهذا ما نحذر منه في بلادنا على ضوء تصاعد العدوانية الفاشية العنصرية المعادية للعرب وللدمقراطية. أملنا أن تفشل الهجمة العنصرية كما تلفظ أنفاسها الأخيرة استراتيجية "عولمة الحرب على الارهاب" التي مارستها ادارة بوش الأمريكية.
