أبو خالد يحيى في الذاكرة (1-2)

single

الراحل يحيى ذباح، الفلسطيني المكافح الدؤوب



إن توارد الذكريات والأفكار والمشاهد، التي عشتها بمرافقة أبي خالد سنين طويلة، أوقعتني في حَيرة من أمري، من أين أبدأ بالكتابة عن يحيى وعن أي يحيى سأكتب.
عن يحيى ذباح الفلسطيني المكافح الدءوب، الذي أفنى حياته في خدمة القضية الفلسطينية والدفاع عنها.
عن يحيى المثقف المدرك والمطلع، صاحب النظرة الثاقبة والفاحصة في تحليل الأمور والأوضاع والمشاكل الاجتماعية والسياسية، يحيى الإنسان الذي ترفَّع فوق العائلية والطائفية والمذهبية التي حاربها بكل قوته حفاظا على وحدة الشعب الفلسطيني والأقلية العربية في إسرائيل، العصامي والمبدئي الذي آمن بكل أفكاره وقناعاته ومبادئه التي دافع عنه بالحجة والإقناع وبكل ما أوتي من قوة عقل، دمث الأخلاق المتسامح الرحب الصدر مع عائلته وأصدقائه وأهل بلده وشعبه، فكان يحترم الكبير والصغير ولا يترفَّع عنهم، الصادق الصدوق، الذي دأب دائما بالحفاظ على صداقاته ومعارفه.
فكان دائما يحافظ على التواصل مع أصدقائه الذين غطّوا مساحة فلسطين. الفلاح الذي أحب الأرض وأحبته. كان مولعًا بالعمل بقطف الزيتون حيث يترك العمل المكتبي ويتفرغ لمشاركة الفلاحين أعراسهم في الطبيعة.
في آخر أيامه ألمّت به أمراض عديدة فواجهها بكل قوة وصلابة وصبر وعزيمة.
ولكن في 15 شباط  1992، أي قبل 23 سنة، شاء القدر أن يترجَّل هذا الفارس وأن يرحل إلى عليائه. هكذا كان أبو خالد شخصية فريدة، خلاقة يحتذى بها، لم يعتمد يومًا على ماضي عائلته وإنما على نفسه وإرادته. فأفعاله تركت بصماتها على دير الأسد ومنطقتها بشكل خاص.
لا تقل أصلي وفصلي أبدًا     إنما أصل الفتى ما قد حصل
في هذه الأيام رأيت لزامًا علي، من باب الوفاء لذكراه أن أدون بعضًا من المحطات المضيئة الهامة في تاريخ حياته النضالية. التي رأيت فيها عِبَرًا ودروسًا نضالية وكفاحية للأجيال القادمة في فلسطين عامةً وفي دير الأسد خاصةً، لعلهم يستفيدون منها وتساعدهم على بناء مستقبلهم النضالي والكفاحي، وتكون لهم نبراسًا ينير دربهم نحو المستقبل.
في سنة 1942 التحق يحيى ذباح بالجامعة الأمريكية في بيروت لإكمال تحصيله العلمي والثقافي بعد أن أنهى دراسته في كلية النهضة في القدس، حيث تلقى المعرفة والعلم على يد أستاذ الجيل آنذاك المربي المناضل خليل السكاكيني.
أثناء دراسته الأكاديمية في الجامعة الأمريكية تلقى العلم فيها على يد ثلة من المحاضرين القوميين المناضلين المدافعين فيما بعد عن فلسطين والعروبة، على رأسهم المؤرخ العلامة قسطنطين زريق، الذي دأب على نشر الروح القومية والعروبية بين طلابه حاثًا إياهم في العمل على تحرير بلدانهم من الاستعمار الغربي أساس بلاء الأمة العربية. هؤلاء الطلاب ـ أبو خالد احدهم - أصبحوا القادة القوميين والمناضلين الأشداء ضد الاستعمار فيما بعد في بلدانهم وخاصةً فلسطين.
في هذه الأثناء أقام الطلاب الذين كانوا ينتمون إلى جميع البلدان العربية تنظيمات سرية قومية وشيوعية لمكافحة الاستعمار البريطاني الصهيوني وتحرير البلدان العربية وإنقاذ فلسطين.


*الجامعي الشيوعي*


انضم يحيى ذباح الى احد التنظيمات الشيوعية وعمل بجد ونشاط، مما حدا بإدارة الجامعة ان تتهمه بالانتماء الى هذا التنظيم. فأصدرت قرارها الظالم بإيقاف يحيى ذباح عن الدراسة بالجامعة لمدة سنة، سنة 1946. بعدها عاد يحيى ذباح الى الجامعة سنة 1947 حيث أنهى دراسته الجامعية وحاز على اللقب الاول B.A في العلوم الاجتماعية والتاريخ.
بذلك كان أبو خالد من الرعيل الفلسطيني الأول الذي حمل هذا اللقب وكان أحد الجامعيين القليلين في شمال فلسطين ودير الأسد خاصةً.
إن هذا العقاب لم يردع يحيى ذباح ولم يثنه عن دربه فبقي يمشي منتصب القامة مرفوع الهامة.
إن حبه لوطنه فلسطين دفعه الى الاستمرار بالنضال والكفاح ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني، سنة 1947 ساهم في توزيع المنشور الشيوعي السري الموقع من قبل الأربعة أحزاب الشيوعية. العراقي، السوري، اللبناني وعصبة التحرر الوطني (الحزب الشيوعي اليوم) الداعي الى قبول قرار التقسيم الذي نص على إقامة دولة عربية ودولة يهودية.
في الثلاثين من تشرين الأول سنة 1948 احتلت القوات الصهيونية دير الأسد، واقتادت قسمًا من شبابها أسرى الى المعتقلات في عتليت وكان يحيى ذباح من بين الأسرى والمعتقلين. هذا المعتقل يتكون من 4 أقسام ويحيى ذباح كان في القسم الرابع.
في أحد الأيام جاءت بعثة من الصليب الأحمر الدولي للاطلاع على اوضاع المعتقلين، قام قادة الحزب الشيوعي المعتقلون بتوجيه رسالة بالعربية لتسليمها لهذه اللجنة، فقام يحيى ذباح بترجمتها الى الانجليزية وتسليمها للبعثة الدولية.
في أحد الأيام جاء جندي صهيوني برتبة جاويش لتفقد المعتقلين فانهال بالضرب على معتقل من البعنة بدون ذنب. يحيى ذباح لم يحتمل ذلك فهب لمساعدة البعناوي فصفع الجاويش وأوسعه ضربًا وأخذ منه العصا. كان هذا العمل عاملًا مشجعًا ومحفزًا لباقي المعتقلين في الأقسام الباقية حيث اشتبكوا مع الجنود دفاعًا عن حقوقهم ومعاملتهم مما حدا بإدارة المعتقل الى تغيير أساليب التعامل مع المعتقلين واحترامهم وعدم الاعتداء عليهم، وبذلك يحيى ذباح قد غرس في نفوس المعتقلين روح الإباء وعدم  الخوف وعدم السكوت على الضّيم والدفاع عن النفس والكرامة بكل الوسائل المتاحة وتحدي الجلاد مهما كانت النتائج.
حدثني محمد محيي الدين ذباح (الأخ الأصغر لأبي خالد) قال: كنت في القسم الأول، بعد وصولنا الى عتليت بأسبوعين أو ثلاثة، بدأت ادارة المعتقل تعرض على المعتقلين، أن كل معتقل يوقع على تعهد أن يغادر فلسطين الى الدول المجاورة يطلقون سراحه مباشرة ومن يمتنع سيبقى في المعتقل، بعض المعتقلين من ضعاف النفوس وقعوا على هذا التعهد فأطلقوا سراحهم.
ذات يوم كلفت أنا واثنان آخران، لا أذكر أسماءهما، بعد أن زودونا بتعهدات مطبوعة أن نجول على المعتقلين في الأقسام الباقية ونجمع منهم التواقيع على هذه التعهدات. عندما وصلنا الى القسم الرابع حيث كان أخي أبو خالد وأصدقاؤه الشيوعيون، جن جنون أبو خالد فأخذ مني التعهدات الموقعة ومزقها إربًا وألقاها على الأرض وقال لا أحد يغادر هذا المعتقل الى خارج فلسطين بعد أن أشبعنا توبيخًا وتأنيبًا.
هكذا أفشل أبو خالد ورفاقه الخطة الصهيونية الجهنمية لتهجير فلسطينيين من وطنهم تنفيذًا لمقولتهم: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
في سنة 1949 أغلقت السلطات المعتقلات وأطلقت سراح المعتقلين حيث عادوا الى قراهم وذويهم ليمارسوا حياتهم الطبيعية.


*عزيمة بالمعتقل*


إن الشهور التي قضاها ابو خالد داخل المعتقل لم تضعف عزيمته ولم تفت من عضده انما زادته عنفوانًا واصرارًا وتحديًا لمواصلة طريقه القومي النضالي دون خوف أو وجل. ولمقارعة الحكم العسكري الذي فرضته السلطات على شعبنا الصامد في ارضه ووطنه.
كان لعكا واهلها وناسها مكانة خاصة ومميزة عند أبي خالد فأحب أهلها حبًا جما كان يستمتع فبالجلوس اليهم والاستماع الى احاديثهم ونكاتهم وحواراتهم، لذا نراه بعد أن تزوج سنة 1950 من رفيقة دربه انتقل للعيش والسكن في عكا بين أصدقائه ومحبيه.
بعد أن قرَّ به القرار في عكا، اتجه بكل عزيمة واصرار لمعالجة المشاكل الاجتماعية والثقافية والمعيشية التي عانى منها العكيون، فأنشأ بالتعاون مع صديقته اليزابيث بايير الأمريكية المسؤولة عن مؤسسة الكويكرز مركزًا لها في عكا. حيثُ قام بتقديم الخدمات الصحية والتربوية والمهنية والثقافية لجميع أبناء عكا بدون استثناء بإدارة ورعاية ابو خالد.
من الخدمات التي قدمها هذا المركز عيادة لرعاية الأمومة والطفولة، ورشة نجارة لتعليم الشباب مهنة النجارة، دار للسينما حيث عرضت أفلاما تربوية وثقافية مجانية، نادٍ للشباب لقضاء اوقات فراغهم، زاوية ألعاب للأطفال لقضاء أوقاتهم بعد دوامهم المدرسي، محاضرات تربوية توجيهية اسبوعيًا لرفع المستوى الثقافي والاجتماعي لشباب عكا، أقام جناحًا خاصًا للنساء، أشغال يدوية، حياكة، تطريز وخياطة.
هكذا أفشل ابو خالد المخططات السلطوية لنشر الجهل والسموم والمخدرات بين شباب عكا.
كما عودنا ابو خالد على  مناصرة المظلومين  والوقوف  بوجه الظالمين والطغاة  والعملاء، تصدى  لعميل  اشتهر  بعمالته للحركة  الصهيونية  زمن الانتداب. حيث كان  من كبار سماسرة الاراضي التي عرفتهم فلسطين،  عرف هذا  العميل بسلوكه الفظ وبذاءته، كان يعتدي على  أهالي عكا بالشتائم والمسبات، حتى احيانا بالاعتداء الجسدي فكانوا يهابونه لأنه مدعوم من قبل السلطات. التقى  به ابو خالد في سوق عكا، طرحة  ارضا وداس على رقبته واشبعه بصقا ولكما. بذلك حطم هيبته وعنفوانه وأذله. بعدها نشبت معركة قضائية بين ابي خالد وهذا العميل، وقف الى جانب أبي خالد أهالي عكا وأصدقاؤه في هذه المعركة التي انتهت بانتصار أبي  خالد وخروج هذا العميل ذليلا مدحورا من عكا الى الأبد.
في بداية الستينات من القرن الماضي  خاض ابو خالد بمساندة من اصدقائه في عكا معركة قضائية شرسة ضد رئيس البلدية آنذاك كديش  لوز، حيث اقدم على اقالة العاملة  الاجتماعية نعمات عبدو من حيفا من وظيفتها بدون اية اسباب. انتهت هذه المعركة بانتصار ابى خالد واصدقائه. حيث حكمت المحكمة بإعادة  نعمات عبدو الى وظيفتها، مما اضطر رئيس البلدية كديش لوز الى الاستقالة من رئاسة البلدية  ومغادرة  عكا الى القدس.  
إن هده الانجازات العظيمة زادت ابا خالد عنفوانا واصرارا وتحديا، فاستمر في نهجه الوطني القومي المقاوم. ذكر هيلل كوهين  في كتابه  (العرب  الصالحون) الطبعة  العربية  ترجمة عصام زكي عراف  صفحة 206 حيث قال  (كان يحيى ذباح من سكان عكا يعمل ضابطا لشؤون الاحداث، بلغ اللجنة - اللجنة اللوائية الامنية - انه يمارس نشاطا قوميا، فاستدعي الى مكتب الشؤون الاجتماعية في القدس لبحث الامر معه – كانت التوصية بمراقبته - لكن ابا خالد واصل نهجه ودربه الوطني  القومي  بكل عزيمة واصرار  وكما قال المثل العكي - يا خوف عكا من هدير البحر. (يتبع حلقة أخيرة غدًا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

القتل مرة واحدة والدفن مرتين

featured

ليس ليبرمان فقط

featured

الشموخ والتصدي افضل رد

featured

قراءة لانتخابات بلدية الناصرة - (4-أ): عــاد بخُــفّي حُـنـَيـْن...

featured

كلنا في العزاء سواء

featured

اشتداد المزاحمة والصراع بين القوى الاقليمية في المنطقة

featured

يوم نكبتنا، يوم نكبتكم !