قراءة لانتخابات بلدية الناصرة - (4-أ): عــاد بخُــفّي حُـنـَيـْن...

single

سجّل حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" هدفًا ذاتيًا في مرماه، في انتخابات بلدية الناصرة، فانهزم بهذا هزيمة كبرى وواضحة وشاملة. لا نقصد فقط هزيمته الانتخابية، من ناحية حصيلة أصواته للرئاسة وعدد مقاعده للعضوية. وإنما نقصد أيضا وأولا هزيمته فكريًا وسياسيًا ونهج عمل وممارسة انتخابية. وفارق المدى بين هزيمته وبين مهزومين آخرين هو كالفارق بين "الستربتيز" (التعرّي) الأمريكي والأوروبي في النوادي الليلية. في الأوروبي لا يبقى على جسد المتعرية حتى ورقة توت لإخفاء عورتها. تعرّي "التجمع" كان أوروبيا بامتياز، ونقصد طبعا التعري الفكري والسياسي لمواقفه ومن خلال ممارساته.
حين أتاني مسؤولون من قبل "التجمع" قبل ثلاثة أشهر تقريبا من موعد الجولة الأولى للانتخابات، طالبين تأييدي ودعمي وعارضين مشروعهم للتغيير، قلت لهم: عليكم أن تتغيّروا فكريا ونهج عمل حتى تُغيّروا. الآن أقول لهم: عليكم أن تتستروا.
وحين قالوا لي إن مرشحة الرئاسة، عضو البرلمان حنين زعبي، ستحصل على ما يزيد عن نسبة 35% من الأصوات للرئاسة وعلى ستة مقاعد للعضوية، وستكون هي رئيسة البلدية في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة، وإن هذا ما تؤكده استطلاعات الرأي والأجواء في الشارع الانتخابي... استغربت مدى انسلاخ هذا الحزب عن واقع الشارع النصراوي. وقلت لهم: هذه استلطاخات رأي ولن تحظوا إلا بـ 10% من الأصوات للرئاسة وبعضوين في المجلس البلدي. ورامز جرايسي، مرشح "الجبهة"، سيكون الرئيس الفائز في انتخابات 22 أكتوبر 2013. وهذا ما حصل وأفرزته نتائج الجولة الأولى للانتخابات.
للحقيقة، لم يُقصّر التجمع في توفير كل الجهود وإعداد ما يلزم لضمان فوزه بالرئاسة وبعدد كبير من الأعضاء. نقصد عملا انتخابيا وترشيحا وائتلافا وإعلاميا وتنظيميا وصرفا ماليا. لكن كيف لحزب أن ينجح إذا ما كان يطرح، في الإنشاء الكلامي، برنامجا وشعارات قومية راقية فكريا وسياسيا، بينما في الممارسة يفعل نقيضها بالضبط؟ شو بدها تعمل الماشطة بالشّعر العِكش؟
من يضيّع البوصلة لا يستهدي على الطريق الصحيح. وفي تجربة الغراب الذي أراد تقليد طير الحجل في درجِه - مشيه - فنسي الطيران ولم يتقن الدرْج، عبرة لمن يريد أن يعتبر. خرج "التجمع" من الانتخابات بحصّة "مصيّف الغور"، ما من برد تدفأ وما من حرّ تبرّد.


* المنتصر المهزوم...*


رشح حزب التجمع حنين زعبي للرئاسة. وهذه كاملة الأوصاف كشخصية انتخابية لجذب الأصوات. هي عضو برلمان مشهورة، ومتحدثة وخطيبة ومثقفة، ومن عائلة عريقة وكبيرة. وخاض الحزب انتخابات العضوية بقائمة "أهلية" ائتلافية ضمّت تجمعيين وقائمة "الإصلاح والتغيير" (حي الصفافرة) وشخصيات وطنية مستقلّة. ولم يألُ جهدا ومالًا لضمان النجاح.
لكن رغم هذا 90% من المقترعين في الناصرة لم يقترعوا لحنين. ولم تحظ القائمة التحالفية إلا بعضوين من أصل 19 عضوا في المجلس البلدي، أحدهما عن القائمة الحليفة وليس عضوا في التجمع. أي حظيت القائمة التحالفية بالعدد نفسه الذي حظت به في انتخابات 2008 الأسبق. مع انها هذه المرة أوسع تحالفا وحنين مرشحتها للرئاسة. وعمليا تراوح عضوية وقوة التجمع الحزبية، لا الائتلافية، في المجلس البلدي للناصرة من صفر أعضاء إلى عضو واحد فقط - منذ انتخابات 1998 وحتى انتخابات 2013. فشو جاب الحزب من "بيت أبوه" في الانتخابات الأخيرة؟ وهل مَنْ يتنكر، بالموقف الممارس لبيت "أبيه" ويساهم في هدم أعمدة خيمته القومية والوطنية والوحدوية الجامعة يستطيع أن "يجلب" أصلا.
بدلا من أن يقوم "التجمع" قطريا أو فرعه في الناصرة ومرشحته للرئاسة بإجراء فحص عميق لأسباب هزيمته من خلال مراجعة جريئة وصريحة ونقد للذات والسلوك الانتخابي المتناقض مع المرجعية الفكرية والسياسية المعلنة... يطالب الآخرين بفحص أسباب هزيمتهم. بل يتصرف وكأنه هو المنتصر، لأن الذي فاز في الجولة الثانية من الانتخابات هو المرشح الذي دعمه.
الصلعاء تفتخر بغزارة شعر بنت خالتها. علمًا أن الذي فوّز علي سلام بفارق 10400 صوت ليس "التجمع" وإنما "الإسلاموية" بشقيها الشمالي والجنوبي. الأربعة آلاف صوت التي فازت بها حنين في الجولة الأولى، لم تنتقل كلها أصلا إلى سلاّم في الجولة الثانية. وحتى لو انتقلت بغالبيتها كان عند سلام فائض أكثر من ستة آلاف صوت لضمان فوزه الكبير. لذلك "أصوات حنين" التي انتقلت إليه فضحت بالأساس حزب التجمع وهزمته قوميا ووطنيا وديمقراطيا. سلاّم يعرف لمن هو مدين بفوزه. وكان قد تفاخر في مقابلة لملحق صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 27.12.2013 بعد أن جرى إعلان فوزه في الجولة الأولى قبل فرز كل الأصوات، أنه داس على وسحق حزبين قويين وكبيرين تسلطا على الناصرة وعلى الوسط العربي: الجبهة و... التجمع، ولم ينطق ببنت شفة عن الإسلامية. هكذا ينافق سلام أمام اليهود. لكن متى يفيق التجمع من نفخته ومن نفاقه السياسي ويعي: مَنْ "قضى" على مَنْ ومن فوّز من في الناصرة؟
وللتذكير وللتنبيه نشير إلى أن جامع الأقصى وقضايا الجماهير الفلسطينية في البلاد وقضية فلسطين عموما لم تجمع الإسلامويّتين الشمالية والجنوبية في بيان لهما مشترك. لكن انتخابات الناصرة جمعتهما. والشمالية بالذات بقيادة وتوجيه من رائد صلاح، بكل مريديها في الناصرة بمن فيهم أولا أئمة وخطباء العديد من المساجد، كانت اللاعب الأساسي في الجولة الثانية للانتخابات وفي رفع نسبة الاقتراع.
هذا مع العلم أن "الشمالية" كانت قد أعلنت منذ شهور عدم مشاركتها في انتخابات السلطات المحلية. وقامت بفصل أعضاء من صفوفها لم يلتزموا بهذا القرار. لكنها استقتلت في الناصرة بالمشاركة. الناصرة هي الاستثناء. ورأسها ونهجها القومي والوطني، العلماني الوحدوي الديمقراطي وأثره على الجماهير العربية ومؤسساتها هو المطلوب. والهدف رئاسة وقيادة لجان الرؤساء للسلطات المحلية العربية ولجنة المتابعة للجماهير العربية وأبعد من ذلك أيضا...
أما حزب "التجمع" فاختار أن يجلس في هذا الحضن الشوكي بهدف إسقاط "الجبهة". علّه يعلو... ولو على "خازوق"، بينما "الأشواك" تُحدث الخروق في جسده وتدمي غلاف جسمه ورأسه القومي والوطني الديمقراطي. على شو يا... لوزة؟ تساءلت العرب. و"ًاكلت يوم أكل الثور الأبيض" - قالت العرب.


* عروض الجبهة*


أخفى "التجمع" عن كوادره القاعدية وعن جمهور مؤيديه المقربين وأصدقائه وداعميه وعن عموم الناخبين، توجهات "الجبهة" المتكررة له ومقترحاتها عليه للتفاهم والتحالف بينهما بخوض انتخابات بلدية الناصرة، وذلك قبل شهور من موعدها وبعد جولتها الأولى أيضا. التجمع وضع في أذن طينة وفي الآخرى عجينة ولم يكلّف نفسه حتى "عناء" إعطاء الجواب خطيًا أو شفويًا!
عرضت الجبهة في توجهاتها تلك على التجمع أن تكون حصته ثلاثة أعضاء من مجموع الأعضاء المضمونين للقائمة، ويكون أحدهم النائب الأول لجرايسي - أي القائم بالأعمال. ويبقى للتجمع مركز القائم بالأعمال حتى لو قرر خوض انتخابات العضوية بقائمة خاصة به، مع اشتراط دعمها لمرشح الجبهة للرئاسة. حين رفض التجمع هذا الاقتراح - (الأصح تجاهله ولم يرد عليه) - اقترحت الجبهة عليه اتفاق فائض أصوات، "فردّ" التجمع بتوقيع اتفاق كهذا مع قائمة "ناصرتي" برئاسة علي سلام، و"الإسلاموية" الراعي الحافظ والحاضن...
وعندما أعلنت حنين زعبي عدم ترشيح نفسها في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة تاركة للناخبين تحكيم الضمير في اختيارهم وداعية لانتخابات حضارية، سارعت الجبهة بإصدار بيان إشادة بهذه الدعوة، ومن ثم الاتصال مع القيادة القطرية للتجمع عارضة التفاهم والتعاون... فقوبلت بالرفض. أما فرع التجمع في الناصرة، بقيادة وتوجيه حنين زعبي، فأصدر بيانات "رد" فيها من الافتراء والتهجم ما لا يقبله العقل السليم.
وكانت حنين زعبي بعد أيام قليلة من بيانها بعدم خوضها للجولة الانتخابية الثانية، قد أتبعته ببيان "ملكي أكثر من الملك" بدعمها لعلي سلام. بل أصبحت شبه موظفة وقائدة في حملته الانتخابية هو و"الإسلاموية" ضد الجبهة، وبانفلات خاص من قبلها هي بالذات. ولم يترك اندلاقها هي والتجمع في هذا المنزلق أدنى الشكوك حتى عند بقايا المستقلين الوطنيين الذين كانوا ما زالوا يحتفظون ببعض أوهام و/أو آمال بنيّة وبقدرة هذا الحزب على تصحيح مساره.  
أثار هذا الستربتيز القيَمي والأخلاقي التحفظ عند مجموعة من حلفاء التجمع في قائمة الإصلاح والتغيير. هذا عداك على غضب عدة أعضاء في فرع التجمع في الناصرة. ووصل الأمر بهؤلاء التجمعيين المستائين والساخطين إلى الاجتماع بجرايسي بطلب منهم معلنين دعمهم له وإدانتهم لسلوك حنين والقيادة المتنفذة في فرع التجمع في الناصرة التي كما يظهر فقدت بوصلتها ومسؤوليتها الوطنية.


* أساس الداء*


كما هو ظاهر ومؤكد، لا يريد "التجمع" إجراء مراجعة نقدية لموقفه وسلوكه الانتخابي. هو يؤثر التمادي في الهجوم على الجبهة. لقد انشغل مثلا في المدة الأخيرة بالهجوم المنفلت على جرايسي لأنه قال حال ظهور نتائج الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة إن حزب التجمع مش قومي ولا وطني ولا ديمقراطي.
يخفي قادة التجمع قطريا ومحليا أن جرايسي توجه لهم برسائل شخصية وفي خطاباته أيضا واصفا إياهم بالحزب القومي والوطني والتقدمي اجتماعيا، مستغربا كيف يرفضون التعاون مع الجبهة الأقرب إليهم ويؤثرون التحالف مع ودعم الأبعد عنهم. وجرايسي في خطابه القصير والفوري، بعد ظهور نتيجة الانتخابات، قصد هذا الأمر بالذات - أي السلوك الانتخابي المناقض للمبادئ المعلنة للتجمع.
أنا، عضو التجمع السابق من سنة 1999 إلى سنة 2007، أقول لم تعجبني كلمات جرايسي تلك، إذ كانت ناقصة. كان عليه أن يضيف: ومش قِيَمي ومش مدني ومش أخلاقي، ومش "للاّ" أيضا. وأن وراء الأكمة ما وراءها، والحدق يفهم. وفي عار المواقف من "الربيع" - الخريف- العربي هناك أكثر من إشارة لعار محاولة "خرفنتنا" هنا أيضا. وعلى القومي الديمقراطي والتقدمي اجتماعيا أن يكون طليعيا في محاربة كل القبليات والعصبيات من طائفية وحمائلية وحزبوية.
ما زلت أحنّ لحزب "التجمع" الذي أعرفه وكان قد جذبني في نهاية الألفية السابقة. أحن لحزب رفع في سنوات تأسيسه الأولى لواء الهوية القومية والمواطنة المتساوية والمبادئ والقيم السياسية والاجتماعية التقدمية والديمقراطية. حزب نادى بعدم فصل السياسة عن الأخلاق، وبمحاربة الانتماءات الأهلية الاجتماعية العصبوية الضيقة والثانوية التي تقضم هويتنا القومية الجامعة كشعب عليه التصرف كشعب حتى يحقق حقوقه كشعب. حزب نادى بتسييس الانتخابات، بما فيها انتخابات السلطات المحلية. ووضع على رأس سلم تطلعاته إعادة بناء وتوحيد وتنظيم وتطوير الحركة الوطنية. وتعهّد، حسب لغته هو، أن يقيم ائتلافاته ليس مع "طيارين" وإنما مع "تيارات" سياسية حزبية وطنية.
فأين تلك القيم يا رفاقي القدامى في "التجمع" الذين أحببتكم واحترمتكم لو تعرفون كم، من السقوط المستنقعي الحالي في قلب ومركز بقائنا، مدينة وعاصمة ومنارة العرب الباقية في وطنها - الناصرة؟
أساس الداء كامن في الاستراتيجية التجمعية. فعندما يكون الهدف هو إسقاط الجبهة أولا، تصبح بوصلة الممارسة العداء لها أولا وأخيرا. وتضيع عندها المسؤولية الوطنية والاجتماعية إزاء الناس وإزاء الذات الحزبية أيضا.
لا أقول إنه يجب عدم التحالف والائتلاف والتعاون مع التيارات الإسلامية ضد السياسة الصهيونية الكولونيالية والعنصرية، بل على العكس أطالب بهذا وبتعزيزه. ولكن أن يجري التحالف مع تلك التيارات ومع "طيارين" لا طعم ولا لون لهم وسريعي الذوبان وارتباطاتهم السلطوية معروفة...، وأن يكون تحالف التجمع الداخلي هذا بين الجماهير العربية موجّها في الأساس ضد الأقرب فكريا وسياسيا له، أي الجبهة، فهذا إضاعة للبوصلة القومية والتقدمية اجتماعيا، وهو بوميرانغ ضد فاعله أولا، عداك عن كونه ضد مجتمعنا المنشود وتطلعاتنا. هذا مع العلم أن "الجبهة" كانت قد دعت "التجمع" و"الإسلاموية" أيضا ومعا إلى الاتفاق على تركيبة وبرنامج قومي وطني وعمراني بلدي مشترك وجامع لخوض الانتخابات.
ولا تخص النقاشات والاختلاف والخلافات حق "التجمع" كحزب مستقل في خوض انتخابات البلدية للرئاسة وللعضوية بقائمة له وأهلية أيضا، وإنما تخص تخصيص كل حملته الانتخابية ضد "العدو" - الجبهة. والقيام بهذا بخطاب تحريضي منفلت وافترائي وبدون ضوابط.
كيف انعكس هذا الأمر في بيانات وخطابات ومقالات وتصريحات قادة حملته الانتخابية؟ تجدون الجواب في الجزء الثاني القادم من هذا المقال.



[يتبع]

قد يهمّكم أيضا..
featured

حكومة يمين أليمين برئاسة بنيامين

featured

مغارة الدرجات وشقراق عرار.. آثار رافات القديمة

featured

فبركة التضليل!

featured

شهادة وفاة لحزب العمل

featured

ما بعد محادثات فيينا

featured

هل المقاومة اللبنانية هي "الدولة" الاقوى في الشرق الاوسط