جاء هذا المجاز ليؤكد حقيقة دار حولها جدال وحوار عميقان حمي الوطيس واستعر، فقد فيه زميلنا بصره وبصيرته، فدار الجدل واتقد الحوار حول التدريبات العسكرية للجيش الاسرائيلي في هذه الايام ، اسبابها واهدافها.
وقد صهر زميلنا فكره مما استوحاه من مطالعاته هذا الاسبوع بما طالعتنا به الصحافة الاسرائيلية الصباحية منها والمسائية ، فقد اربكته تلك الصحافة واوقعته تلك المطالعات واغرقته في بحر من اليأس والظنون والقنوط حول ما اذا نشبت حرب جديدة على الساحة اللبنانية بين اسرائيل والمقاومة اللبنانية ، لما وافته تلك التقارير عن قدرات اسرائيل العسكرية وما يمتلكه الجيش الاسرائيلي من ترسانة عسكرية هائلة وضخمة من تقنيات الكترونية واسلحة تقليدية وغير تقليدية في غاية من التطور.
كان الجو لطيفا ، نسمات باردة تهب تلفح وجوهنا شعرنا بقليل من البرد وتسللت قشعريرة لاسجادنا كانت لغة المقالات والتقارير الصادرة التي استعملها كتاب تلك المقالات قد بهرت عينيه فافقدته بصره وبصيرته بحيث لم يعد يرى الا القدرات العسكرية الاسرائيلية دون ان يدري ان تلك الكلمات صيغت وتلك التقارير سوّغت كبضاعة للتغذية لشحن ورفع معنويات الجندي الاسرائيلي التي تهشمت في الحرب الثانية ، فانتزعت من داخله عنصر الشجاعة واستقر بدلا منه عنصر الخوف والريب وعقدة الوجل والاحباط من اي مواجهة قد تكون مع المقاتلين من المقاومة اللبنانية على ارض المعركة.
إنتفض زميلنا وثار وأرغى وأزبد وراح جبينه يتصبب بالعرق رغم برودة الطقس والنسمات العليلة الباردة التي كانت تهب وتلفعنا وتلسع اجسادنا ، رفع عقيرته وبح صوته وتهدج ، أطنب في الحديث لاقناع من حوله من سداد رأيه وحصافة تفكيره دون ان يستطيع ان يغير من رأينا قيد أنملة.
وعندما شعر ان حججه كانت هشة وواهية كخيوط العنكبوت انتفض وقال: هاتوا ما عندكم ان كنتم حاذقين.
أزجلنا الكلام، فقلنا تعال نستعرض سوية مجريات الاحداث ومسلسلها ، منذ خرجت لجنة التحقيق بقيادة القاضي المتقاعد (فنوغراد) بتقريرها في نيسان سنة 2007 على اثر هزيمة الجيش الاسرائيلي في الحرب الثانية التي هزت المؤسستين العسكرية والسياسة حيث جاء ذلك التقرير بانتقادات لاذعة لتلك القيادتين مما احدث تداعيات واسقاطات على تلك الساحتين اكد في تقريره بما لا يقبل الجدل هزيمة الجيش الاسرائيلي في الحرب الثانية في سنة 2006 فوضع حدا لذلك الجدل والقاء التهم المتبادلة التي نشبت في الاوساط السياسية والعسكرية (وقطعت جهيزة قول كل خطيب).
ومنذ صدور ذلك القرار ومنذ سنة والجيش الاسرائيلي ينتقل من تدريب الى تدريب ومن منطقة الى منطقة وقد جاء التدريب الاخير في هذه الايام بجوار ارض المعركة التي فشل فيها الجيش الاسرائيلي والتي من المرجح ان تدور عليها رحى حرب اخرى سعيا في احياء المعنويات وشحذ وتجديد القدرات العسكرية الاسرائيلية التي انهارت لذلك الجيش الذي لا يقهر، في حين وقفت المقاومة اللبنانية صامدة أمام موجات العداء التي هبت اثر تلك الحرب من الداخل والخارج لتعصف بالمقاومة اللبنانية وبسلاح المقاومة.
تبددت تلك المحاولات على صخرة صمود المقاومة وتبخرت موجات العداء ، واستطاع بالتحرك الهادئ والهادف ان يبدد كل عوامل الفُرقة وتغيرت المعايير من شن العداء للمقاومة وحليفتها سوريا الى مصالحة شاملة مع تلك الاطراف مع جنبلاط والحريري والسنيورة وغيرهم فعزز بذلك بناء اللُحمة بين الشعب اللبناني وعزز العلاقات الطيبة والاخوية وحسن الجوارمع الشقيقة سوريا، وتغير الخطاب اللبناني تجاه سوريا وتحولت جميع الحراب التي كانت سهامها موجهة ضد المقاومة الى اسرائيل التي غدت بنظر تلك الاطراف العدو الاساس لهم ولحزب الله وبات سلاح المقاومة الذي كانت تخشاه بعض الفئات وتطالب بتفكيكه سلاحا للدفاع عن كرامة كل اللبنانيين امام غطرسة حكام اسرائيل ومساعيهم في بذر بذور الشقاق بين الشعب اللبناني.
لا يخفى على احد تلك الرغيات الجامحة التي تجيش في صدور القادة الاسرائليين العسكريين منهم والسياسيين لتوجيه ضربة جديدة ضربة انتقام وأخذ بالثأر من المقاومة.
ولا يخفى على احد تلك الترسانة العسكرية الهائلة بجبورتها وعظمتها التي يمتلكها الجيش الاسرائيلي بتزويد دائم ودعم مطلق من جلاوزة الطغمة العسكرية الامريكية ولكن تظل ساحة المعركة وتفاعلها هي المقرر .
علّمتنا التجربة ان سلاح الجو الاسرائيلي بات عاجزا عن حسم المعركة وكانت الحرب الثانية اصدق مثال على ذلك سنة 2006 ، والبرهان الساطع فشل ذلك الجنون الاسرائيلي بالقاء اضخم واعتى واكبر كمية من القنابل والقاذفات الاسرائيلية مختلفة الاسماء والاحجام والطاقات التدميرية الانشطارية منها والذكية، والفوسفورية والعنقودية برغم ما حصدته من انفس وما احدثته من ويلات وخسائر في البنى التحتية وازهاق الارواح وسفك الدماء والدمار والتدمير.
كما لا يخفى على احد ان الجيش الاسرائيلي لا زال يحتل المكان الاول بالقدرات العسكرية من ناحية الكم والجودة والتقنية ، والسؤال الذي يطرح نفسه لو كانت اسرائيل ترغب وتريد مهاجمة قطر عربي مثل مصر او العراق او سوريا او اي قطر عربي آخر هل تقوم اسرائيل بتلك التدريبات العسكرية العديدة والمتواصلة الضخمة والهائلة والشاملة التي نفذتها وتنفذها الآن كثيرة العناء وباهظة التكاليف، فالمعادلة اذا بما ان اسرائيل تحظى بالدور الاول في القدرات العسكرية وهي تخشى المواجهة مع مقاتلي المقاومة او تحسب لهم الف حساب لذلك تواصل تدريباتها العسكرية منذ سنة على وهم ان تتغلب في المعركة القادمة على المقاومة اللبنانية فتكون الحصيلة ان المقاومة هي " الدولة" الاقوى في الشرق الاوسط. فالعظمة اذا ليست بكمية السلاح وانواعه انما في الصمود والشجاعة والخبرة القتالية وروح الفداء، والحصيلة النهائية في تلك الحرب وهي التي حطمت الآلة العسكرية الاسرائيلية على صخرة صمود مقاتليها مع الاخذ بعين الاعتبار تصاعد قوة المقاومة على الصعيدين الكمي والنوعي .
فصم زميلنا اذنيه واغمض عينيه وانسحب وهو يتوعد ويقول: وان غدا لناظره قريب.
بقي ان نقول ان المقاومة لديها الحق في الدفاع عن وطنها ونفسها وان اسرائيل لا حق لها ابدا في العدوان والاحتلال وهذا عنصر هام.
