// لا اعتقد ان من يطلب "المواطنة"، انما يطلبها من موزامبيق! هذه فذلكة كلامية. ومسألة هوية الفلسطيني في الداخل قد حُسمت منذ زمن طويل. كنا نسخر، اكثر ما نسخر، من تسمية راديو "صوت اسرائيل" لنا بـ "عرب اسرائيل". نسمع ونضحك. وفي احيان كثيرة كنا نوجّه الاصبع الوسطى الى المذياع تعبيرًا عن سخريتنا!..
// هناك اهمية لاحداث شروخات في الاجماع الصهيوني نفسه، اي في الجماعة الصهيونية ذاتها. فهل حقا النقاش بين "الاسرائيلي القديم" و"الاسرائيلي الجديد" لا يعنينا؟ من لا يريد رؤية "الجديد" في "الجديد" انما يعيدنا، من حيث الدلالات، الى ايام "الفرج العربي" وتوابعه، وايام حظر الالتقاء بنا لان "مجرد اللقاء" بالفلسطيني الباقي في وطنه "هو تطبيع مع العدو الاسرائيلي"!
// يبدو، احيانًا، ان من يعارض المشاركة في الحراك الاجتماعي، بحجج مختلفة، التي افهم بعضها ولا اتفهم بعضها الآخر، انما يريد ان يقول، عمليًا، ان شيئًا ما يتغيّر في تفكير المجموع اليهودي الصهيوني، وان هذا الشيء، اذا تواصل في هذا الاتجاه، من شأنه ان يقوّض طروحاته هو، وبالتالي فان هذا "البعض" غير معني بهذا التطوّر حفاظًا على قاعدة الطروحات التي بنى عليها كل مشروعه السياسي والفكري
1
لن نذهب بعيدًا، ولا نريد
قراءة متأنيّة للمشهد الاسرائيلي الحالي، في ظل التحرّك الشعبي الاجتماعي – الاقتصادي غير المتوقع في حجمه وزخمه، تفضي الى اتجاه جديد قد تترتب عليه، مع الوقت، تداعيات وانعكاسات مباشرة على مجمل السياسة الحكومية الاسرائيلية واولوياتها المستقبلية. وبهذا القول لم نذهب بعيدًا، وبالتأكيد لا نريد، في وضع استنتاجات وتقديرات هي بعيدة التحقّق. ليس القصد تضخيم ما يحدث في اسرائيل، وليس المقصد بناء اوهام على رمال متحركة. فلا اسرائيل تنازلت عن "دولة الاحتلال والاستيطان والعنصرية" لصالح "دولة العدالة الاجتماعية والرفاه"، ولا العقلية الاسرائيلية، بالمجمل، قادرة، حتى الآن، على تخليص ذاتها من اسر "الامني" و"عسكرة الدولة"، ولا كل من يتظاهر، من اليهود، في تل ابيب او حيفا او مختلف المناطق فيها يريد ذلك. لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن – ولا يجوز - التقاط المشهد الاسرائيلي بالمفهوم العادي، وكأن شيئًا لم يحصل حتى الآن، وإن كنا، كما اوضحنا، غير مندفعين في اطلاق الاستنتاجات والتقديرات المحتملة. فما زلنا في البداية، او ربما أقل بكثير، واية مخاطرة في اطلاق الأحكام هي لعبة بالتأكيد لا نتقن التحرّك ضمن قوانينها، ولا نريد! والامر الثاني اننا نتحدث عن اسرائيل، والامني فيها كان وسيبقى الاقوى، على الاقل للمدى المنظور.
مع ذلك، واضافة الى كل ذلك، من المهم ان ننظر الى تطور الأمور، وان نراقب تفاعل الاحداث في المستقبل، وان لا نتخذ فقط مهمة المراقب انما الدور الفاعل والمؤثر، اينما يمكن ذلك، دون سقف توقعات عالٍ (اصلاً لا يوجد اي سقف)، وفي الوقت نفسه دون تشنجات تعود بنا، من حيث ندري او لا ندري، الى لغة (او عقلية) تصر، دون استئذان، على وضع نفسها في موقع "العارف" و"الكاشف" و"المحلِّل" و"النقي" و"الثوري" و"القابض على الحقيقة"، اما ما عداها من لغة للآخرين فهي تدخل في باب "المحظورات الوطنية".
اعرف، وهذا حق، جهات وشخصيات تقول بشكل واضح ان ما يجري داخل "دولة العدو لا يهمنا". منطق هذا القول يستند الى "عدم الاعتراف بدولة العدو"، وبالتالي "فخّار يكسّر بعضه". اتفهّم هذا المنطق، لكن لا ابرره. اما مشكلتي فهي مع منطق آخر، لا اتفق معه، لانه يحاول ان يخفي رأسه بالرمال، ولا يكاشف بالحقيقة، حين يفصل بين "المواطنة" التي ينادي بها وبين الهروب من مستحقات تطبيقها على ارض الواقع.
2
هل المواطنة من موزامبيق؟
لا اعتقد ان من يطلب "المواطنة"، انما يطلبها من موزامبيق! عندها لا تتعدى المسألة فذلكة كلامية. لقد وجدنا انفسنا، عام 1948، كالايتام على مأدبة اللئام. وكان لا بد لنا ان نبقى وان نحمي البقاء، وبالتالي ان نحمي الوطن. ونعتقد ان نقاش الهوية، للفلسطيني في الداخل، قد حسم منذ زمن طويل، عندما اجترح هذا الفلسطيني الباقي في وطنه معجزة البقاء. في حينه كان ظلم ذوي القربى اشد مضاضة. ومن شدة "النقاوة الثورية" التي جرّبناها على جلدنا، فقد كان مجرد اللقاء مع الفلسطيني في الداخل، الباقي في حيفا او يافا او عكا او اللد او الرملة او الناصرة، حتى لو كان (اللقاء) في اية عاصمة اوروبية او عربية، هو، في عُرف الاشقاء العرب، بمثابة "التطبيع مع العدو الاسرائيلي"!
كيف زُجّ بنا في هذه المعادلة، لا نعرف؟ لكن ما نعرفه وما قلناه، في مقال سابق، ان صدمة النكبة، والانقطاع التام عن الفضاء العربي، جعل من الفلسطيني في الداخل يفتش عن حلول هي اشبه بالعصا السحرية. واضفنا في حينه: لم يكن هدف الفلسطيني الباقي "مسايرة" العدو، او قبول فكرة "التدجين" او "الذوبان"، ولا محاكاة هذا العدو في الثقافة والهوية والمظهر والسلوك والتقاليد والعادات، بل كان يقصد، اولاً واساسًا: المعرفة لرسم حدود المواجهة!!
قلنا ذلك، وكتبناه وصفًا لفترة الخمسينات والستينات، فكيف الحال ونحن على اعتاب العام (2012)؟. السلام على من اتّبع الهدى. والسلام السلام على من فضح "الفرج العربي"، بكل انواعه.
بأي معنى؟
بالمعنى العقلاني!، فقد قيل قديمًا الكثير عن الذي اختار ان يعملها تحته من كثرة النظافة. ولا اتوجه هنا الى أحد بعينه، انما اتناول الموضوع بالعموم. فما معنى القول، مثلاً، ان المشاركة في مظاهرات تل ابيب او مظاهرات حيفا هي بمثابة عملية "تدجين" و"أسرلة" للفلسطيني في الداخل؟ وما معنى هذا الخلط، غير البريء في اقل تقدير، بين الإيهام بان جدلاً يجب ان نتواجه به مع الآخر الفلسطيني، اي بيننا وبين انفسنا، وبالتالي الخلط بين "مشروعية النقاش والاختلاف" – وهو الامر المشروع - وبين اصدار الاحكام وصولاً الى محاولة التكفير والتلميح بتخوين كل من يعتقد بان المشاركة في الحراك الاجتماعي، في المحصلة، هو لصالح الفلسطيني في الداخل ضمن خصوصيته التي فُرضت عليه ولم يقم باختيارها هو بنفسه (قدوم دولة اسرائيل اليه)؟
3
الاسئلة الصعبة والأجوبة الاصعب
لا احد منّا، لا هنا ولا هناك، كان له "خيط وهم" – مجرد خيط رفيع - بان الحراك الاجتماعي في اسرائيل سيرفع، اول ما سيرفع، مطالب الأقلية العربية الفلسطينية في وطنها. وللتوضيح اذهب الى آخر الكلام: لا احد منّا، لا هنا ولا هناك، كان يؤمن بان مقدمة المظاهرة في تل ابيب ستحمل شعار حق العودة للاجئين الفلسطينيين. لكن هناك منّا، وانا واحد منهم، من يعتقد انه في حال استمرار الحراك الاجتماعي بهذا الزخم وهذا التجميع من حوله اكثر واكثر مع الوقت، فانه سيصل، حتمًا، الى توجيه بعض الاسئلة الصعبة، اولاً له هو نفسه، ليفتش بعدها عن بعض الأجوبة الصعبة، وهي بالتالي ستتحول الى حالة عامة في البلاد، بمعنى ان تتناولها وتتعاطى معها وسائل الاعلام ومراكز الابحاث ومجمل الرأي العام العبري، كما يجري الآن، وبالتالي فان هذا الامر سيقود الى سيرورة تفرض على الحكومة الاسرائيلية – حكومة اليمين والتطرف والاستيطان والعنصرية – التعاطي مع هذه الاسئلة ومع هذه الاجوبة. نقول "بعض الاسئلة" ونقول "بعض الاجوبة" ولا نقول "كل الاسئلة" و"كل الاجوبة". وحتى لو كان هذا "البعض" هو عشرة بالمئة من الاسئلة الصعبة، فليكن!.. ولتُسأل في هذه المرحلة، وسنرى ما سيجري لاحقًا.
ما الخطأ – أو الخطيئة – في هذا التقدير؟ قلنا هذا الكلام، انا وغيري، في بداية انطلاق الحراك الاجتماعي، عندما كان في اسبوعه الأول. وهو مسجّل وموثق كتابة في الجريدة، وكذلك من على شاشات الفضائيات التي سألت عن الموضوع فأجبتها ببث حي ومباشر بنفس المعنى والمقصد. بمعنى ان احدًا لم يختبىء، وان احدا لم يخف موقفه، او يتحايل على شعبه واهله. فمن اين جاؤوا لنا بالتهمة الجاهزة: "افحصوا ثوابتكم الوطنية"؟!
4
"الفرج العربي" موديل 2011
لقد سبحنا، كثيرًا، وفي اصعب الظروف، ضد التيار. واكثر ما اخشاه هو "الفرج العربي" موديل (2011)، دون اي قصد في التشبيه من حيث المضمون او المعنى المجاز، انما القصد بالتسمية وما تحمله من معنى عام بعيدًا عن الخاص العالق في التسمية. فما يجري، على الساحة الاسرائيلية، هو النقيض للتوجه المؤسساتي الذي بَـنَى "استراتيجيته الداخلية"، على مدى عشرات السنوات الماضية، على تحييد الاجتماعي – الاقتصادي لصالح "الأمني"، وبالتالي محاولة فرض الانشغال الدائم بإشاعة "الأمني" لتوحيد الاسرائيلي العبري الداخلي حول "قضايا مُجَمِّعة" قائمة على ديمومة معادلة "الامني"، وبضمن ذلك السعي الدائم، لدى المؤسسة، باختلاق "الصراع الوجودي" الذي يُراد منه ان يلغي كل شيء آخر يفتح المجال أمام ما خشته المؤسسة طوال الوقت: اجراء نقاش حاد يتعاطى مع سياستها الأمنية الاستيطانية الاحتلالية العنصرية بعين ناقدة..!
قد يكون من المبكّر التكهن بمجريات الأمور. لكن خلخلة ما طرأت على ما كان يسمى في اسرائيل، طوال الوقت، بـ "الاجماع القومي اليهودي" المرتبط بحالة "التجميع" حول "الأمني". نسمع اليوم في التلفزيون ونقرأ في الصحف كتّابًا وصحفيين ومعلقين ومحللين يقولون بشكل واضح للمؤسسة الاسرائيلية بان "لا تستخدموا معنا الفزّاعة الامنية". نسمع ونقرأ هذا الربط بين الانفاق على الاستيطان وبين التقليص في ميزانية الرفاه، بين الانفاق على العسكرة والاحتلال وبين انسداد الأفق والأمل امام الاجيال الشابة، نسمع ونقرأ ان دولة اسرائيل، لأول مرة منذ ان نشأت، تجمّد البحث في زيادة ميزانية العسكرة والجيش ووزارة الأمن. فهل، حقًا، هذه التطورات لا تعنينا؟ وهل حقا اذا تابعناها وشاركنا في التأثير، بقدر امكانياتنا، لدفع المزيد من الاوساط داخل المجتمع العبري الصهيوني في التفكير بها وطرحها، نكون، عندها، كمن نقش "الاسرلة" على سلوكه وفكره وتوجهه السياسي العام؟.
اسرائيل ليست دولة قادمة من "المريخ". لكن ظروف نشأتها، وبالتالي تحكّم "دولة العَسْكر" فيها، جعلت من "الأمني الصِدَامي" فيها يسيطر على عقلية المجتمع اليهودي ويحدد سلوكه لعشرات من السنين، وبالتالي اشاعة حالة من تأطير "الأمني" في تابوهات كان من المستحيل الاقتراب منها قبل شهر فقط!
5
دافني ليف و"الاسرائيلي الجديد"
الوضع يختلف الآن، حتى لو ما زالت المؤشرات في الرحم، بعد. اي انها لم تصل بعد الى مرحلة التوليد. والمؤشرات تفيد بان اوساطا وشرائح تتزايد داخل المجتمع العبري، قابلة، ضمن هذه الاجواء، على اقل تقدير، للانصات. قابلة لان تسمع الآخر ورأي الآخر. لم نقل ان تتأثر به. ولا نريد ان نستبق ونقول ذلك. فالحمل في شهره الأول والطلق لم يحم بعد! لكن لنبقى في حدود الانصات: فأن تقف، مثلاً، دافني ليف، قائدة هذا الحراك من اللحظة الاولى، من على منصة مظاهرة تل ابيب، وتقول امام 400 الف متظاهر، وامام اضعاف اضعاف هذا العدد الذين تابعوا خطابها من على شاشة التلفزة، ببث حي ومباشر، السبت الماضي – ان تقول ما معناه بان المعركة هي سياسية بامتياز، وان المعركة بين عالمين مختلفين: عالم قديم تمثله حكومة نتنياهو – براك – ليبرمان والاحزاب اليمينية والدينية المتطرفة، والعالم الجديد الذي يحاول ان يبنيه في اسرائيل حاليًا مئات الوف المتظاهرين، والذي يربط بين الانفاق على الاحتلال والاستيطان وبين غياب "دولة العدالة الاجتماعية والرفاه" – ان تقف دافني ليف، في اكبر مظاهرة عرفتها اسرائيل في تاريخها، وهي القائلة، في الماضي، بان جيش الاحتلال الاسرائيلي يرتكب جرائم حرب في المناطق المحتلة، وهي التي اعلنت اكثر من مرة رفضها الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة، ان تقف وتقول هذا الكلام، دون ان تغادر مجموعات من اليهود المتظاهرين ساحة المظاهرة، فهذا برأيي تقدم كبير يجب ان نشجعه وان ندعمه على الرغم من اختلافاتنا ودون تجاهل حقيقة ان قضية الفلسطيني، مأساته ونكبته وهمومه ومشاكله، تختلف عن قضية "اليهودي الصهيوني"، همومه ومشاكله، حتى لو أطلق "اليهودي المتظاهر" على نفسه اسم "الاسرائيلي الجديد".
6
غياب وحضور السياسي: "قلنا لكم"..
"قلنا لكم.."! هذه اللازمة ظهرت على الفور من افواه بعض العرب: "قلنا لكم يا عرب، يريدون منكم ان تكونوا من الاسرائيليين الجدد"؟ لكن لماذا نتعامل مع هذا الاسم – "الاسرائيلي الجديد" – على انه يهدد هوية الفلسطيني في الداخل؟ هل حقًا، بعد 63 عامًا، باستطاعة ايًا كان ان يهدد هوية الفلسطيني في الداخل؟ لا نعتقد. اذن، لماذا اللجوء الى لغة "المناطحة" هذه؟ وما القصد المستتر فيها ومنها؟
نعرف الجواب. وفي نفس الوقت نعرف، قدر المعرفة، ان الاسرائيلي اليهودي، بجديده او قديمه، هو موجود. فهل الصراع بينهما هو لا يعنينا؟ وهل الصراع على الرأي العام الاسرائيلي، الجديد والقديم، لا يعنينا؟ ثم مِن مَن نطلب التغيير، من انفسنا؟ لو كان الحل بأيدينا لكانت الدنيا غير الدنيا في بلادنا. لكن من يريد ان يتغيّر المجتمع (العبري) وان يبدأ بالضغط على مؤسسته لتغيير سياستها، عليه ان يشجع هذا التغيير، حتى لو كان منقوصًا في البداية، وان يكون هناك، وان يؤثر ويحاول ان يؤثر.
مرة اخرى: نحن لا نبني الاوهام على رمال متحركة. لكن علينا ان ننظر، وان ننتبه، الى ان هذا الحِراك، يقود، تدريجيًا، الى قيام المجتمع الاسرائيلي بتوجيه (والمواجهة مع!) بعض الاسئلة الصعبة ومحاولة التفتيش عن بعض الاجوبة بشأنها، وهي ايضًا صعبة. وهذا ما نشهده الآن! وهذا الأمر، قاد، بخط مباشر، الى السياسي. وهو ما حصل بالفعل مع تزايد حجم الحراك الاجتماعي. ففي الأيام الأولى من مظاهر الاحتجاج كان التأكيد، من قبل معظم الشرائح المبادرة لـ "احتجاج الخِيام"، ان لا علاقة للسياسة بما يقومون به. أي انه كانت هناك محاولة لفصل مفتعل، غير واقعي، بين السياسي وبين تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في اسرائيل. قلنا، في حينه، "لا يمكن.. سيصلون الى هذا الربط". وكان المنتقدون لمشاركتنا يقولون لنا، في نفس لغة "المناطحة": "انتم، مثلهم، تنقادون وراء تجاهل السياسي"!!
ماشي الحال! فقد "تجاهلنا السياسي"، كما حاولوا التلميح ضدنا، الى درجة ان الخطبة الرئيسة من على منصة مظاهرة تل ابيب تحدثت من اول الكلام الى آخره بالسياسة.
7
التفاعل الصِدامي بين "القديم" و"الجديد"
يبدو، احيانًا، ان من يعارض المشاركة في الحراك الاجتماعي، بحجج مختلفة، التي افهم بعضها ولا اتفهم بعضها الآخر، انما يريد ان يقول، عمليًا، ان شيئًا ما يتغيّر في تفكير المجموع اليهودي الصهيوني، وان هذا الشيء، اذا تواصل في هذا الاتجاه، من شأنه ان يقوّض طروحاته هو، وبالتالي فان هذا "البعض" غير معني بهذا التطوّر حفاظًا على قاعدة الطروحات التي بنى عليها كل مشروعه السياسي والفكري!
لقد انبنت بعض المشاريع الحزبية بين فلسطينيي الداخل على ديمومة "الصراع مع العدو". وواضح ان الصراع لم ولن ينتهي بمظاهرات تل ابيب او حيفا، وهو مستمر وسيأخذ وجوهًا متعددة. لكن، ضمن هذا الصراع، هناك اهمية لاحداث شروخات في الاجماع الصهيوني نفسه، اي في الجماعة الصهيونية ذاتها. لذلك لا افهم، مثلاً، الاصوات الفلسطينية التي انطلقت من الداخل معترضة على تسمية "الاسرائيلي الجديد"، وهي تسمية اطلقها قادة المظاهرات اليهود على انفسهم. لا افهم الاعتراض من منطلق الخلفية التي يرتكز اليها، وهي خلفية تريد ان تقول، عمليًا، ان "الاسرائيلي الجديد" هو، بالفعل، قد يحمل الجديد في التفكير والسلوك وبالتالي الفعل والتأثير، وعليه فان هذا "الجديد" هو ما يجب ان نواجهه ونتواجه معه!
من جهتي فلتطلق هذه المجموعات اليهودية المتواجدة في الشوارع، تظاهرًا واحتجاجًا، على نفسها "الاسرائيلي الجديد". واذهب في القول الى المبالغة لكي اوضح اكثر: ليتحوّل، اغلب اليهود في اسرائيل، الى "اسرائيليين جدد"، بما يحملونه من طروحات جديدة. ماذا نخسر نحن العرب في الداخل من هذا التحوّل، وهو تحوّل ليس في التسمية فقط انما بالمضامين وبالطروحات ايضًا؟ ثم من حق اليهودي الاسرائيلي ان يطلق على نفسه ما يشاء، كما هو من حقي، انا الفلسطيني في الداخل، ان اقول انني لا انتمي، ولن انتمي، في اي حال من الاحوال، الى "الاسرائيلي الجديد". فانا لست "اسرائيليًا"، ولن اكون، انما اسرائيل الدولة هي التي جاءت اليّ في العام 1948.
كنا نسخر، اكثر ما نسخر، من تسمية راديو "صوت اسرائيل" لنا بـ "عرب اسرائيل". ولم تنجح معهم هذه التسمية على طول الطريق. نسمع ونضحك. وفي احيان كثيرة كنا نستخدم الاصبع الوسطى ونوجهها الى المذياع تعبيرًا عن سخريتنا!.. ونقاشنا الداخلي، كفلسطينيين، ليس على هويتنا نحن. وهذا ما يجب ان يكون واضحًا. لكن بين "القديم" و"الجديد"، من حيث اليهودي الاسرائيلي، من المفترض ان نشجع "الجديد" وان نحاول التأثير عليه لدفعه نحو التجدد اكثر. صحيح ان "الجديد" لم يتجاوب مع الحد الادنى من مطالبنا وقضايانا. وصحيح انه لم يقترب الى قاع طروحاتنا القومية والمدنية ضمن خصوصيتنا هنا. لكنه، من حيث التفاعل الصدامي الداخلي لدى العبري الاسرائيلي، يمكن اعتباره جديدًا بامتياز. هذا النقاش، بين اليهود انفسهم، بتوجهاته التي تميل الى طرح القضايا الاساسية داخل المجتمع اليهودي العبري، هو نقاش مهم ويجب التعامل معه بجدية. لا نعرف ما اذا كان سينجح. ولا يمكن التكهّن بالنقطة التي من الممكن ان يصل اليها. لكن من يريد ان يقنعنا بان "الجديد"، على كل علاّته ونواقصه ومعوّقاته، لا يحمل جديدًا، ولو كبداية، وبالتالي يختار كل مناسبة لمهاجمته، بينما نسي صراعه الاساسي مع "القديم"، وهذا ما يجري للبعض الآن، انما يقول ضمنًا انه يفضّل "القديم" العبري على قديمه، بطروحاته وتفكيره وسلوكياته، لانه "اهون" للمواجهة والمجابهة. وفي هذا يتحدد جديد هذا البعض من فلسطينيي الداخل، قياسًا على قديم من الذهنية. وهذا البعض لا يقول ذلك بصراحة، بل بتورية. والتورية هي منطق اللغة في ممارستها التضليلية. وهنا بيت القصيد!
