في خضم الجريمة الإرهابية الحمقاء التي ارتكبها حكّام وجنرالات إسرائيل ضد أسطول الحرية الأممي الأسبوع الماضي، والتي تضاف إلى جريمة الحصار الكبرى وغيرها من الكبائر الكولونيالية، برز دور تركيا الصاعد، بتجلياته الجديدة، في المنطقة.
كانت تركيا أول دولة إسلامية اعترفت بدولة إسرائيل. ومنذ عشرات السنين تشكّل حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة (وما زالت) في المنطقة ولإسرائيل (بدرجة أقل مؤخرًا). وينعكس هذا في عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) العدواني الإمبريالي واستضافة قواعده الصاروخية، وفي التعاون العسكري الاستراتيجي بين تل أبيب وأنقرة، وقد انعكس مؤخرًا، مثلاً، في تأييد تركيا لضم إسرائيل إلى منظمة دولة التعاون الاقتصادي (OECD).
لكن أمورًا عدّة في العقدين الأخيرين (أبرزها تصاعد قوة حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي البرغماتي، ورفض تركيًا عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وانتقال النظام العالمي إلى عالم متعدد الأقطاب) غيّرت السياسة الداخلية والخارجية التركية، أيضًا على صعيد القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، حيث تبدي تركيا مواقف أكثر حزمًا تجاه إسرائيل، كما حدث بعيد العدوان الهمجي على غزة هاشم قبل سنة ونصف السنة.
هناك تقديرات، لا تخلو من الصحة، تشير إلى مصلحة أمريكية مباشرة في توسيع النفوذ التركي في المنطقة (ومن بوادره الوساطة التركية على المسار السوري-الإسرائيلي)، بهدف كبح النفوذين الروسي والإيراني اللذين يشكّلان تحديًا جديًا للهيمنة الأمريكية ولمشروع "الشرق الأوسط الجديد"، بكلا وجهيه "البوشيّ" و"الأوباميّ"، إن جاز التعبير.
ورغم محدوديته النسبية، وعدم تمرّده على الإستراتيجية الأمريكية، فالموقف التركي هام جدًا. فكم كان سيتغير وضع شعبنا المحاصر فقرًا وجوعًا في غزة واستيطانًا وجدارًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية، لو أقدمت الأنظمة العربية على نصف ما أقدمت عليه تركيا، ولو من باب العلاقات العامة!
ونحن إذ نحيّي هذه الوقفة التركية، نضمّ صوتنا إلى صوت القوى التقدّمية التركية، التي طالبت الحكومة بإحداث تحوّل جذري على المواقف التركية، على موقع تركيا في النظام العالمي ودورها في المنطقة وعدم اقتصاره على هوامش المصالح الأمريكية؛ وفي السياق الفلسطيني: الإرتقاء إلى دور فاعل ومثابر من أجل رفع الحصار وكنس الاحتلال والاستيطان عن شعبنا، وإحقاق كل حقوق الوطنية كافة، الدولة والقدس والعودة.
