زملاء وأصدقاء الشهيد نديم نوارة، يضيئون الشموع
أعجبني اصرار الأب الثاكل الذي رفض لغة الواقع المرتجف الذي يسطر فوق الجدران والسماء وتراب الأرض حروف الصمت والاستسلام، فقد اصر هذا الوالد ان يعرف العالم لغة القتل المطرَّز بالرصد الدقيق والملاحقة، اراد الأب أن يخبر العالم ان ابنه قتل غدرًا دون ذنب، وان رواية الجيش الاسرائيلي رواية مختلَقة وكاذبة.
الأب الثاكل يعرف انه يحرث في بحر ويناطح الصخور بقرون من طين وان غيره كان اكثر قدرة على فرش الدماء والدموع والصراخ والاتهام، وكانت النتيجة تراكم الملفات التي تحتوي الشهادات الصادقة والصور المؤلمة في سراديب الاهمال وعدم الاهتمام دون ان تجد من يثأر لها او يسأل عنها او يحاول التخفيف عن اصحابها واولادهم وزوجاتهم وامهاتهم.
الأب لم يستسلم لاستخفاف بندقية الجندي الذي جاء لإخماد المظاهرة في قرية بيتونيا – غرب رام الله - التي اصطادت ابنه وحولته الى جثة هامدة بعد ان كان شابًّا مملوءًا بالحيوية والنشاط والنجاح والأمل، امسك بلعبة شد الحبل بين الجيش الاسرائيلي ووجعه وفجيعته ووقف على نقطة الاتهام التي انطلق منها ، كان يريد ان يثبت ان ابنه قتل غدرًا ولم يشترك بالمظاهرة، خاصة بعد ان رأى شريط الفيديو الذي يثبت ان ابنه نديم نوارة كان بعيدًا عن المظاهرة وقد اخترقت الرصاصة الحقيبة المدرسية التي كانت فوق ظهره، مع العلم أن الرجل الذي صور شريط الفيديو ملاحق من قبل الجيش الاسرائيلي وقد تحولت حياته وحياة اسرته الى جحيم، فكل يوم تفتيش وحجز واستجواب في الشرطة، لأنه فضحهم فهم يعتبرون الشريط اداة اتهام رغم انهم حاولوا بث الاشاعات والقول ان الشريط مزيف.
اختلفت رواية الاب المفجوع ورواية الجيش حول نوع الرصاص هل هو حي ام مطاطي، الجيش ينكر تهمة القتل المتعمد ويتمسك بمقولة انه الاكثر نقاءًا وبياضًا رغم ان هناك من يريد تلويثه، لقد استطاع الأب اسماع صوته في الخارج، وكان القرار اخراج الجثة وتشريحها بحضور اطباء اختصاصيين اجانب لمعرفة حقيقة القتل.
من الصعب ان تمر قضية اخراج جثة الشاب نديم نوارة دون ان تثير المشاعر المؤلمة في الروح والنفس، اول عبارة وقفت على لساني "الله يساعد امه"، وبعيدًا عن الموت الذي استقر فوق ملامح الشاب الذي رحل لكن رحيله يأبى الاستقرار في سكينته وصمته قبل أن تظهر النتائج ، قريبًا من الجثة التي سلبت روحها و تنتظر ظهور الحقيقة، تم دفن الجثة مرة أخرى بمراسيم مستعجلة بعد ان تم تشريحها، لكن هل نتوقع الحقيقة..؟! واذا جاءت الحقيقة عارية تشير بأصابعها واظفارها على الجيش الاسرائيلي كيف سيكون الرد، وهل سيتم اغلاق الملف بكلمة اعتذار وأسف سرعان ما تذوب قبل بزوغ الفجر.
اذا كان الشاب نديم ينتظر عدالة الحق الغائب، هناك في طريق الموت اسرى فلسطينيون في السجون الاسرائيلية يواصلون الاضراب عن الطعام، الإضراب الذي تحول الى وسيلة ينتزعون بواسطته حقوقهم البسيطة، الحياتية، الانسانية في صمت الغابات المتوحشة، بعد ان خيب الجميع أملهم واسقطهم في آبار النسيان، كأنهم ليسوا من مسيرة الكفاح والنضال.
بدلًا من ايجاد الحلول لقضية اضراب الاسرى الفلسطينيين القابعين في السجون والزنازين تقوم اسرائيل الحنونة بإقرار قانون اطعام الاسرى بالقوة، لكن يصطدم بقرار الاطباء الذين صرحوا انهم لن يطعموهم بالقوة.
بين جثة نديم والاسرى المضربين عن الطعام خيوط كثيرة، اكبرها خيط الموت القابع في الزاوية ينتظر قنص اللحظة، كأن الموت يقول لهم لن ينجو أحد..!!
ولا اعرف كيف كانت صلاة السلام التي قام بها بابا الفاتيكان فرنسيس بصحبة الرئيس شمعون بيرس والرئيس محمود عباس، وهل التفت البابا فرنسيس للرئيس بيرس جيدًا وهمس له اثناء الصلاة وقال له (فيك الخصام وانت الخصم والحكم)؟ وهل همس الرئيس ابو مازن في اذن الرئيس بيرس بكلمة حول الاسرى الذين اشرفوا على الموت نتيجة الاضراب عن الطعام ..؟ اذا لم يكن الهمس من هنا ومن هنا ونرى على الاقل بعض النتائج الملموسة؟ فلماذا اذًا البهرجة الاعلامية واشغال العالم بصلاة السلام، فليقيموا الصلاة ولكن بدون التسلق على اكتاف السلام والتغني بالسلام الذي اصبح مثل المتشرد الذي لا يجد المأوى، فالبابا نفسه يعرف ان السلام بدون نوايا صادقة يكون خداعًا، وللأسف كان يجلس مع ملك المخادعين بيرس.
