في الفصل الأول من كتاب " العرب الصالحون" من تأليف هليل كوهين، اعترف المؤلف المذكور بأن أجهزة الأمن الاسرائيلية وضعت منذ اليوم الأول خطة لزرع بذور الشقاق والتجزئة بين المواطنين العرب رغم انهم جزء لا يتجزأ من سكان الدولة، واضاف المؤلف انه من بين العوامل التي ساعدتها على ان تخطو هذه الخطوة حالة المواطنين العرب المتدنية اجتماعيا ومعنويا كما استغلت تعدد الطوائف بينهم.
كما ورد في هذا الكتاب بأن خطة الشاباك اقتضت أيضا ملاحقة الشيوعيين لقطع دابر نشاطهم حتى لا يقوموا بفضح السياسة الإسرائيلية تجاه المواطنين العرب، ومن بين الأساليب التي مارستها السلطات لتحقيق غاياتها قيامها بفرض التجنيد الإجباري على المواطنين العرب من أبناء الطائفة العربية الدرزية، كي تحولهم الى كرابيج ومطايا لخدمة مصالحها القومية الصهيونية، حاولوا صنع ثقافة خاصة بهم وحرمانهم من تعلم لغة الضاد، لسان آبائهم واجدادهم، لكنهم فشلوا في مشروعهم هذا. فمحاولات الاسقاط في شباك خططهم استهدفت جميع الطوائف، ولا تقتصر فقط على العرب من ابناء الطائفة الدرزية.
إن محاولة وضع حاجز بينهم وبين لغة الضاد ضاعف من عدد المبدعين منهم في هذه اللغة، وكان التحدي والتشبث باللغة العربية التي انجبت العشرات من الكتاب والشعراء والباحثين، لكن شتان بين مبدع ومبدع وبين شاعر وشاعر وباحث وباحث، ليس بين ابناء هذه الطائفة بل داخل جميع الطوائف، وللحصر أكثر شتان ما بين "قاسم" و"عرايدي" فكلاهما شاعران عربيان الا ان الأول امضى عمره وهو ينحت بالأزميل والريشة والكلمة والموقف في صخور مقاومة العنصرية وترسيخ الهوية الوطنية، فبنى من قطع هذه الصخور ابراجا شامخة ابدية، وحول مسيرته النضالية الى مدرسة ذات مساقات خاصة وأسبقية نوعية وخصائص جديدة في الشعر عرف بشعر المقاومة، بفضل هذا الشعر استطاع "سميح القاسم" ان يقدح زناد العزيمة والعمق القومي والمناعة ضد الانصهار.
ساهم "سميح" ورفاقه من أقطاب شعراء المقاومة في تحويل هذه الشريحة من اقلية ضائعة مرعوبة بفعل النكبة الى اقلية قومية رفضت الأسرلة والانصهار والذوبان داخل الأغلبية الأقوى كما وكيفا.
اما شاعرنا الثاني "عرايدي" رغم وصوله الى اعلى الدرجات في السلم التدريجي الاكاديمي واختراقه المجتمع الاسرائيلي عبر ابحاثه ودراساته في الادب العبري لم يستطع تجيير القضية الفلسطينية والعروبة والكتابة عن المعاناة بروح الكاتب الذي يتغلغل بروح وجروح شعبه، وقد نترك الموضوع بكامله لحركة النقد العربية والمحلية، لكن الذي يهمنا في شخصية "البرفيسور عرايدي" ذلك العناق الدبلوماسي مع ليبرمان، عناق أشبه بلف الحبل حول عنق الأقلية العربية التي ترى بحلوى المنصب مرارة وواجهة من بياض ناصع يخفي خلفه وجه اسرائيل الأسود.
إن موافقة " نعيم عرايدي " على تسلم منصب سفير اسرائيل في دولة النرويج هو تمثيل اسرائيل الاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوقنا في الداخل وحقوق كافة الشعب الفلسطيني.
لن يسعف اسرائيل تعيين سفير عربي درزي وارتداء "عرايدي" عباءة الدفاع وتبييض أسنان الاحتلال وتلوين جميع الواجهات الإعلامية والسياسية بألوان العشق الاسرائيلي للأقلية العربية، لأن دولة النرويج – وغالبية دول العالم – تعرف حقيقة الاحتلال والاستيطان وتعرف أن مدينتهم أوسلو خيبت آمال الفلسطينيين حين وقع "عرفات" على اتفاق اوسلو، لكن تبين بعد ذلك ان الاتفاق هو مصيدة ادخلت الشعب الفلسطيني الى نكبة جديدة.
إن السفير نعيم عرايدي يعرف أن اختياره من قبل ليبرمان لا يعني ان رأس الأفعى يؤمن بالمساواة التامة بين المواطنين العرب وفي مقدمتهم الدروز وبين المواطنين اليهود في الدولة. يظهر ليبرمان عبر تاريخه وتصريحاته ومواقفه المعروفة بالحقد والكره للعرب، لذلك عندما تكون "ديمقراطية المزاج" هي التي تتحكم في سلوكياتهم يعتقدون اننا أغبياء من السهل الضحك علينا وعلى العالم أجمع.
إن ليبرمان يختار المساواة التي تخدم مصلحة اسرائيل والجوانب الديمقراطية التي تخدم وزارته، السؤال الذي يطرح نفسه لماذا اختار ليبرمان البروفيسور عرايدي؟
في رأيي أن هذا الاختيار لم يأت من فراغ، ولم يتم لأن سفيرنا في النرويج يحمل درجة بروفيسور، لقد درس ليبرمان مع مستشاريه وجهات ظلامية اخرى شخصية السفير الجديد درسوا مسيرته السياسية والثقافية، فوجدوا شخصا مبهما في مواقفه الوطنية والقومية، مبهما اكثر في موقفه وعلاقته مع الحركة الوطنية، مبهما في انتاجه الشعري والادبي الذي يحوم حول الاسرلة ولم تربطه بالعروبة سوى الحروف التي يكتب بها.
وجدوا امامهم كاتبا وشاعرا أغرقه الادب العبري الذي تخصص به مع عدم وقوفه ضد كل ما تقوم به اسرائيل – الصمت علامة الرضى – لولا ذلك لما قبل ان يكون لاعبا، فوق مسرح اعده له ليبرمان الذي وصفه شمعون بيرس بانه عار على السياسة الاسرائيلية وبأنه عبء ثقيل لا يترك وراءه سوى الحرائق.
إن قبول عرايدي لهذا الدور المضلل للشعب النرويجي زجه في خانة وقائمة الانفصاليين من ابناء شعبنا الذين فقدوا ذاكرتهم وحولتهم السلطات الاسرائيلية الى أعداء لضمائرهم وشعبهم، لأنهم اما دعموا طغيانها او تجاهلوا ممارساتها القمعية ضد شعبنا الفلسطيني.
التصريح الذي نقلته صحيفة "يديعوت احرونوت" للسفير الجديد في عددها الصادر في السادس من الشهر الحالي يؤكد بأن البروفيسور قبل هذا الدور، وتصريحاته تعني بأنه صدق الكذبة بأن اسرائيل دولة ديمقراطية قائمة على التعايش بين الشعبين بشفافية لا مثيل لها.
لن يزيد هذا المنصب من ارتفاع قامة عرايدي الثقافية والفكرية والاجتماعية داخل معشر الكتاب والادباء والشعراء العرب في اسرائيل وخارجها، لأن المنصب لا يصنع الانسان حتى لو كان بروفيسورا، بل الانسان يصنع المنصب حتى لو كان كادحا.
كنا نتمنى وننتظر قيام عرايدي بحمل قضية شعبنا لأننا بحاجة لأيدٍ كي تحملها في مواجهة التجاهل الاسرائيلي والدولي، لكنه حمل بدلا منها اسرائيل نتنياهو وليبرمان وبراك على صدره واكفه المحملة بالعقاقير للتخفيف من روائحها العنصرية النتنة حتى لا يشمها المواطنون في النرويج وغيرها.
السؤال الذي يقف أمامه الآن هل ستكون جميع الصلاحيات في السفارة في يده، ام سيكون حبة الكرز التي تزين كعكة العنصرية.
