ثَكْنَة ٌ عسكريّةٌ .... (9)

single

حّطّوا العين (بالمعنى السّلبي) على عبد الله المحمد، عين الحسود فيها عود، وعدوهُ برحلة ترفيهيّة، مشوار لعدّة أيّام، قالت بِتْرُحْلَكْ مشوار؟- قُلْتِلاّ يا رَيْت حواليَ العذّال كثار!، ليس لأسباب أخلاقيّة، اجتماعيّة، انسانيّة، بل لأسباب سياسيّة، مبادئ، مواقف أمميّة وانفتاح على العالَم الرّحب، دون تقوقع، تَصَدُّف أو انغلاق، لا يمشي في الثَّلم، لا يُعير اهتمامًا لكلمة: (سُرْبُخْ)، كما كانت الوالدة تخاطب دجاجاتها البيّاضات قبل دخولها الى :القُنّ، الخُمّ أو المُعقال، لا ينضوي تحت لواء القطيع المُطيع أوالصّايع! صوته نشاز، يستحيل على أكبر موسيقار عربي، أو عالمي من فريد الأطرش وعبد الوهاب الى موزارت وباخ أن يضبطه تحت أيّة نوتة أو تخت موسيقي، تحدّى وتصدّى، عرقلوا سبيله قبل أن يُخْلوهُ مرغمًا، ترغيب، ترهيب، إقصاء، سياسة العصا والجزرة، استعملوا اساليب (التّربية الحديثة)، (السّوبَر موديرن)، لكن شو بْتِعْمَل الماشطة مع الرّاس العِفِش!
لَمْ يقبل عبد الله أن يكون زي عسكر تركيّا (الانكشاري) مِلْحو ع َذيلو! بل قال كلمته مواجهة !
نصبوا له كمينًا مُدَبّرًا في أعلى المستويات الظّلامية، يجب أن يُساق عبدالله الى المِقصلة، لِدفع الثّمن جرّاء مواقفه وكتاباته الجريئة، تبرّع بالدّم لجرحى الانتفاضة مرّتَين، في مشفى الشّفاء في غزّة هاشم، كانوا مجموعة كبيرة من شباب لجنة المبادرة العربيّة الدرزيّة، رحّب بهم الدكتور حيدر عبد الشّافي قائلًا :لدينا سيل من الدّم المتدفّق علينا من شبابنا في قطاعنا الصّامد، إلاّ أنّنا نودّ أن نُطعّم دماء جرحانا بدماء شباب بني معروف الأشاوس، أحفاد زميلي كمال جنبلاط ورفاق دربه: سلطان الأطرش، عادل وشكيب أرسلان...، وَلْتختلط الموروثات العربيّة معًا أكثر وأكثر. وفي المقاصد الخيريّة في قُدس فلسطين العاصمة كان الاستقبال رائعًا، رغم تسلّل بعض العملاء المحلّيّين المُستأجرين، ومن بينهم البسطاء السَّذَجة من ذوي الجرحى والشّهداء ليحمّلونا موبقات الاحتلال والاختلال، قال أحدهم أنتم تقتلون أبناءنا وَتُغَطّون علينا بالتّبرع بالدّم، انبرى له أبو شهيد آخر ليضع النّقاط على الحروف:علينا ألا نخلط الأوراق بين الحابل والنّابل، هؤلاء إخوتنا في الهمّ والدّم!الأوادم وأولاد الحلال كُثُر هناك، والحمد لله، ع َ زيادة، تصدّوا لهم بالباع والذّراع، وجرى نقاش صريح بين الإخوة، تلاه عناق واشتياق، وسائل الإعلام المحلّيّة هناك وثّقت الحدث بالكلمة والصّورة في مهرجان أهلي آني.
في اليوم التّالي استُدعي عبد الله المحمد للتحقيق من قبل المفتّش والمدير، مع الوثائق الدّامغة، قال عبد الله ما فعلته أنا ورفاقي كان في وقت عطلتنا الأسبوعية، وأنا صاحب الدّم ولستم أنتم المُتَبَرِّعَين!أُضيفت ملاحظات سلبيّة أخرى لِملَفّ عبد الله الطّافح بالملاحظات والتأنيب، ولم يُبالِ بالأمر، لأنّه لا يوجد أيّ ممسك قانوني عليه، قلبوا الصّفحة وأوكلوا إليه تربية الصّف الثّاني عشر في إحدى مدارسنا في الشّمال، عن جدارة واستحقاق، وربما لنصب كمين آخر، قد يكون طُعْمًا وتمويهًا، أدّى واجبه على أكمل وجه كعادته مواظبة واجتهادًا وعطاءً.
 استمرارًا في سياسة التّدريز، التّزوير، التّشويه، التّهجين، التَّجْييش وعَسْكرة مدارسنا وَثَكْنَنَتِها، طلبوا منه أن يرافق طلاّب صفّه إلى دورة تحضير عسكري لفترة أربعة أيّام متتالية في ثكنة عسكريّة في المركز، أدبيًّا هذا واجبه كَمُرَبٍّ، لم يرفض ولم يتنازل عن قِيَمِه، رغم تحفّظه الشّديد من الموضوع، حافلة خاصّة نقلتهم معًا إلى الثّكنة، استقبلهم أحد الضبّاط الكبار بحفاوة بالغة، ليس لسواد عيونهم، بل لتدجينهم وصهرهم، قال الضّابط، تبدو سحنته عربيّة ولهجته ومقاطع كلامه تُشير إلى بلدته الجليليّة، رغم أنّه حاول الأشْكَنَزَة باستبدال نطق الحروف :ح، ع، ر، فقال أهلًا ببني معروف... قلت له على الفور وبالعربيّة: ليس الجميع من بني معروف، وهذا صفّ مختلط مذهبيّا، لكنّهم كلهم عرب!
- صُعِقَ الضّابط من هذا الجواب غير المتوقّع فقال: يُمنع دخول العرب إلى ثكنة عسكريّة!
- وأنا المعلّم المرافق عربيّ كذلك!
- أنت درزيّ وأنا متأكّد من ذلك!
- بل أنا عربيّ قبل أن أكون درزيًّا! شِئتَ أم أبيتَ!
- أتجرؤُ على البوح في ذلك وأنت في مُعسكر هام!
- وأنا فلسطينيّ كذلك، أعلى ما بْخِيلَكْ إركبو!
 ضابط يهودي أكثر حذاقة من الأوّل صرف الطّلاب مع عريفة من الجنس اللطيف بالذّات! واستُدعيتُ الى مكتب القائد العامّ للتحقيق وسبر أغوار هذا المأزق غير المألوف أبدًا، ضيّفوني بكأس من قهوة الوحل (كَفيه بوتس)، اعتذرتُ، قالوا نحضر لك الشّاي ! اعتذرت عن الشّاي والعصير كذلك، بقيت متمالكًا لأعصابي ورباطة جأشي، قائد الثّكنة حاول استمالتي دون جدوى، تبجّحات حلف الدّم المزعوم الموهوم لم تُجدِ نفعًا، اقترح عليّ تسفير الطّلاب غير الدروز في سيارة أجرة وإعادتهم الى القرية النّائية، رفضتُ ذلك مؤكّدًا أنّني أنا المربّي لصفّ كامل بغض النّظر عن الانتماء المذهبي أو الدّيني، أنا وُكِّلْتُ رسميًّا من إدارة المدرسة والآباء لِتَحَمُّل مسؤوليّة هؤلاء الأبرياء، إمّا أن نبقى كلّنا معًا، وإمّا أن نعود جميعًا الى قريتنا، الطّلاّب سرحوا ومرحوا بين الظّلال الوارفة، قدّموا لهم المسلّيات والمرطّبات، ثم وجبات الطّعام، ليبعدوهم عن سير الجدال، عيني عليهم، قلبي معهم، هم فلذة الكبد، أعتزّ بهم فردًا فردًا، عرفوا أن الأمور تجري خلف الكواليس بشكل مُضطرب، لكن ثقتهم بعبد الله كبيرة جدًّا، مفاوضات طويلة ومكّوكيّة بين عبد الله والآمرين العسكريّين، بعضهم عرف أنّني أنا المُحِقُّ، وَهُمْ ضربهم المَحْق، لكنهم خافوا تحمّل المسؤولية، مشاورات هاتفيّة مع أعلى المراجع العسكريّة، حتى الهزيع الأخير قبل طلوع الفجر، معظم الطّلاّب غرقوا في نومهم وأحلام شبابهم، بعضهم بقي يقظًا ساهرًا، وقبل أن يبزغ الفجر الجديد جاءت الموافقة الخطّيّة من أعلى المراجع :لا مانع من بقاء جميع الطّلاب في الثكنة لمواصلة الصّهر والبَوْتّقة والتّدجين.
في الصّباح الباكر تناولوا فطورهم العسكري معًا، علامات الانتصار بدت على وجوه الجميع، وِحْدة ما يغلبها غلاّب، وحدة يباركها ربّ العباد، مضى يومان بين الجد والهزل، شيطنة، أبلسة، عبث، لهو، فرفشة وتدريبات أوّليّة، ابن جِلْدتنا، انقطعت أخبارو، فَصّ ملح وْذاب، جرجر ذيلو بين رجليه، تنهّد عبد الله وابتسم، مِضِتْ ع َ خير، وبينما كان يتصفّح جريدة عبرية، وإذ به يلمح أحد زملائه في المدرسة مقبلًا عليه مناديًا: وينك يا عبد الله؟ لعب الفار بِعُبّ عبد الله: هالجينة مِش لله، غريبة وعجيبة في هذا الوقت، بعد السلام والكلام قال الزّميل بكثير من القلق والتّحفّظ: أرسلوني مُرغمًا لاستبدالك في مرافقة الطّلاب، وسيّارة الأجرة التي أقلّتني هي في انتظارك، لم يكن مجال للجدال، رزمتُ أمتعتي، ودّعتُ الطّلاب وعلامات الاستغراب والاستنكار بادية على وجوهنا جميعًا، على أمل أن نلتقي بعد يومين، عُدْتُ الى المدرسة واستقبال وجوم وهموم وعُبوس! قلتُ: حُطّ في الخُرج يا عبد الله.
بعد نهاية الدّوام استُدعيتُ لمقابلة المدير والمفتّش معًا، هجومات شرسة، تكشير عن أنياب واستعراض عضلات، كالقرعة التي تتباهى بشعرات ابنة خالتها! كسرتَ مزراب العين!ما دِرْت الحَمرة على البورة، ولا خلّيت الدّعوة مستورة، أحرجْتَنا وأحبطْتنا، سوّدِت وجوهنا، وإلى غير ذلك من أنواع التّأنيب والعتاب، أنت تسبح ضدّ التّيّار والانصهار، تنسف كل ما يُخطّط ويُبنى لنا ...، لسان عبد الله مش ماكلو القرمش، سبق وشاهد أفلامًا كثيرة ومسرحيّات مُدبلجة من هذا الشّطف والمسخ!حمّلهما المسؤوليّة كاملة عن هذه المهزلة المُفبركة قائلًا: أنتما تعرفان البير وغطاه، تركيبة الطّلاب والمُربّي، وبدل أن تقفا إلى جانبي هاكما تُؤنّباني وتتّهماني، أنا المُتَّهِمُ وأنتما المُتَّهَمَيْن، كنتُ أتوقّع منكما شدّ أزري والأخذ برأيي لأجل وحدة الصّف وسُمعة المدرسة، قال أحدهما بِخُبْث: أنت لا تعرف ما جرى خلف الكواليس والأجهزة المعهودة، ونحن عبدان مأموران، نمشي في الثّلْم، نمشي الحيط الحيط، ونقول يا ربّ السُّتْرة!نحن سندفع ثمن أخطائكَ ومواقفك، ولكنّنا لن نَمُرّ على ذلك مرّ الكرام، وتدفعُ أنت الثّمن الباهظ، وإنّ غدًا لناظره قريب!
 عرف عبد الله أنّهم دائمًا ضمروا له الشّر، ليس من جهة واحدة وحسب، بل من كلّ مَن هبّ ودبّ، في الفاتح من أيلول أخبره مدير الورشة بِتَعْرِيَتِهِ من كافّة الألقاب والمهام التي أنيطتْ به منذ سنوات: ليس قائمًا بأعمال المدير، ليس مركّزًا للمرحلة الثّانويّة، ولا معلّمًا مستشارًا، ولا مُربّيًا لِصَفّ، بل أعيد للخلف كأنّه معلّم مبتدئ، وتقليص الوظيفة من وظيفة وثلث إلى 24 ساعة أسبوعيّة، وذلك بالتّنسيق مع رئيس المجلس المحلّي (لعبة يويو) حاضر غايب، مفتّش المدرسة والجهات العليا التي تُوجّه التربية والتعليم في الوسط العربي، تعامَوا عن تفاني عبد الله وإخلاصه ومواضبته والكفاءات لم تشفع له أبدًا، شماتة لأبعد الحدود، النّقابة مُحيّدة حيادًا سلبيًّا، مدير اللواء في الخُرج، حتى وزير المعارف المحسوب على (اليسار الإسرائيلي) بدرجة بروفسور ومساعده للشؤون العربيّة تنصّلا من الموضوع بذريعة: أسباب خارجة عن صلاحيّاتهما! واللبيب من الإشارة يفهم! كلّ هذا في الدّيموقراطيّة الوحيدة في الشّرق الأوسط والبحبوحة الاقتصاديّة!
- قال عبد الله يا طالب الدّبس من ذنب النّمس !الحاكمك لاكْمَك لمين تشكي أمرك!وهذا جزاء سنمار! حتى لو لْحِقِتْ العيّار لباب الدّار.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"مركز للاشفاء من الارهاب" في المملكة العربية السعودية!!

featured

أداة أمريكا: مبادرة الشراكة الشرق أوسطية

featured

ماذا يحدث في البحرين؟

featured

الحلّ فكرنا وبرنامجنا ونهجنا

featured

كالماء كان وكالماء صار

featured

لحظات تاريخية طال انتظارها

featured

عقول فاشية تتفنّن بالقمع

featured

جريمة اسرائيلية بحق الطفولة