كالماء كان وكالماء صار

single

لماذا ظلمتَني ودعوتَني إلى هذا المنحدر، لأقفَ بالذلِّ والمهانةِ أمامَ نعشِكَ يا ينّي يا بنيّ؟! أليسَ من المفروضِ والمتّفقِ عليه والطبيعيّ أن أرفَعَكَ منزلةً سامية؛ بأن تقفَ بالعزِّ على قبري، وتشكرَني لأنّك فُتَّني في العلمِ وأنا معلّمك؛ فسررتُ وتفاخرت؟!
 لكنّك سبقتني للذبحِ في المنابرِ وفي العلا وفي التواري والأفولِ وأنا مربِّيك؛ فحزنتُ وبكيت.
كالماءِ، كالماء كان في جريانِه، يشقُّ طريقَه غيرَ آبهٍ للحجارةِ والصخورِ المانعةِ والمنيعة؛ كنّا نجلوها من وحلِ المرحلة، وننقّيها من الظلم، ونصقُلُها وننحتُها لتتأنّسَ وتجِدَّ وتجِد، فنروي الحقولَ التي زرعناها علمًا ومبادئَ نيّرةً ومتحرّكةً بثوريّةٍ أصيلة، ونُمطرُ على صحراءِ العقول الحامية، حتى جعلناها بردًا وسلاما على شجرتنا، لتورقَ دائما كشجرةِ الحياة.
كالماءِ كان في شذوذِه؛ من درجةِ صفرٍ إلى أربعِ درجاتٍ مئويّة، يتمدّدُ إذا برّدناه، ويتقلّصُ إذا سخنّاه، ليحميَ ثروتَه وكنوزَه المائيّةَ وبشاشته وليحافظَ عليها وعلى وجهه الطفوليّ الملائكيّ،كالماء كان في شذوذِهِ كلّما ضاقت فسحةُ العيشِ عليه، واستحكمت حلقاتُها، شذَّ عن الاستسلام للمرض،وللفقر، ولغدرات الزمان ...
صمد وكافح، فوق المستطاع، وشبَّ على الطوقِ، وليّنَ من عريكتِه، ووسّعَ من علومِه ومداركِه وحبِّه لبلادِه وبلدِه ولشبابه، فأَلانَ للشبيبةِ جناحَهُ، فحمى الشبابَ والصبايا من الانزلاقِ والتدهورِ على السطوحِ المائلةِ، دافعَ عنهم، ودفعَهم بعزيمة الجبّارين إلى الأعلى ليقتحموا السماوات، وليلِجوا طريقَ الصوابِ القويم، في أقصرِ طرقِ النجاح.
كالماءِ انساب ليّنًا وصافيّا ورقراقًا من بين أصابعِنا، وأفلت من أيادينا. لم يفضْ، ولم يخفضْ قممَ جبالِنا، ولم يغمرْ بالجرفِ جباهَنا وشموخَنا.
 كالنهرِ تدفّق من مآقينا، رافدا وديانَ خدودِنا، ومحرّكًا دواليبَنا، شاحنا مصابيحَنا بطاقةٍ تنيرُ عتمةَ أنفاقِنا وغرفنا المظلمة؛ فنفتحُ الأبوابَ والنوافذَ لتدخلَ شمسُ الحريّةِ وتمحوَ ليلَ سجونِنا.
كالماءِ هو الآن في صفائِه ونقائِه واستلقائِه ممدّدًا في النعشِ، ومن مائِه المتجسّدِ نبلّلُ غصّات حلوقَنا الجافّة، ونبرّدُ قلوبَنا الملتاعة، ونطفئُ الحسرةَ المشتعلةَ في صدورِنا.
بعد أن كان على وجهِها شيوعيّا وطنيّا أمميّا يدكُّ سجّانَها وسجنَها وحواجزَها ومتاريسَها برجليْهِ تسعةً وأربعينَ ربيعا، كالماءِ  صار، سرى وتسرّب في أحشاءِ الأرضِ ليشحنها.
 فإروِ ظمأَها في النقبِ، وفجّرْ ينابيعَها في الجليل، وهُزَّ قدَّها الميّاسِ في فلسطين، علّها تشعرُ بنتُ الكلبة وتستيقظُ، وترفضُ أن يرويَها المجرمون دمًا في سوريا ولبنان وفي وطني الأكبر، وتثورُ على البغيِ والطغيانِ، وتُسقِطُ العصبيّاتِ القبليّةَ والرجعيّة، وتوقف حروب الردّة.
آه يا ينّي يا بنيّ!
حمّلني رفاقي مسؤوليّةَ إلقاء التحيّة؛ فقم يا ينّي وحيّهم بأفضلَ منها أو ردَّها. أليست الزيادةُ مندوبةً والمماثلةُ مفروضةً؟
فسلامٌ عليكَ يومَ ولدتَ ويومَ تحوّلتَ ويومَ تُبعثَ مادةً حيّة!

قد يهمّكم أيضا..
featured

دودو يرد على بيبي

featured

الحالة الفلسطينية الراهنة: تسر العدا وتغيظ الصديق..

featured

مؤتمر الحزب الشيوعي اللبناني: رهان الأمل وتحدّي المشروع والآليّات

featured

شكيب ارسلان داعية العروبة والاسلام

featured

المهزلة تمّت يوم 21/9/2011

featured

سئمت حديث المعلقين والمعلقات عن مؤامرات إسرائيل وأمريكا!

featured

مفاجأة روسية "نوعيّة" ثانية بسوريا