حلم ليلة ميلاد

single

صغيرًا كنت وكان مسيحي صغيرًا. لم يُخِفني، ولم يسبِّب لي أرقًا ولا تحديًا. كان عاديًا وطبيعيًا. لم يشغلني إلا في مواسم تواريخها تتكرر فلا تخطئ ولا تكل. دومًا كانت تجلب لي فرحًا موسميًا وهامشًا بشقاوة احتفالية.
في البيت كان ظله خفيفًا. لم يزاحِمنا، أنا وإخوتي الأربعة، على شيء. مع ذلك، على ما أذكر، حاولنا تجنيده كل واحد منا إلى صفه في لعبة لعبناها، أو شاهدًا لصالح موقف أحدنا، خاصة في خلاف أصر والدنا أن يعرِّي بداياته وحقيقته. غالبًا ما كان يشفع لأحد على حساب آخر، فكلنا برع بصداقته وأجاد الاستقواء به عند الحاجة. لقد أحب الأطفال كلَّ الأطفال.
أحببته صغيرًا مثلي. وُلد في مذود فأنصف الفقراء والمعوزين. لذا كان قريبًا إلي. لم تكن عائلتي غنية، لكننا سعداء كنا، بما وفره والدان مدرِّسان لم يسمحا، بدراية وعزة وتدبير، أن يشعرانا بعوز وبضيق عيش. كان مسيحي مسيح الفقراء ونصيرهم.
أحببته لأنه كلما أطل في المواسم، أطلت البهجة وتدفق خير. كنا نتأهب لطلته، ووالدانا يصرّان على استقباله بحفاوة عائلية حميمة وبملابس جديدة وحذاء جديد أيضًا. سعادتي بذلك كانت غامرة، وتحسبًا من ضياعها كنت آوي إلى فراشي وتحت مخدتي أكنز ما غنمت يداي. أنام وأحلم أحلام الصغار. كانت مزركشة كفراش وكعروس التركمان. لم يطل مسيحي على ما أذكر في أحلامي تلك.
لم يكن ملحاحًا، ولم يرهق طفولتي بطقوس متعبة، رتيبة ومكبلة، لذا عشتها حرًا طليقًا. حتى في مواسم طلته، أذكر، أنني وأترابي كنا نذهب إلى الكنيسة احتفاءً بشقاوتنا واستعراضًا خفيًا لمراهقة بدأت تلح. كان مريحًا، متفهمًا وشفوقًا يحب الحب والجمال.
في ذلك العمر، كنا نسابق الصبح في الميلاد. نتسربل جديدنا، وبفرح خاص ومهابة خجولة نعايد على والدَينا ونحبهما في ذلك الصباح حبًا لا يشبه حبنا العادي لهما. نحب ولا نعيش شعورًا آخر. نحب الجميع ونحب القرية أكثر.
مع زوال هدأة الصباح يمتلأ البيت "عجقة". فزملاء والدي في المدرسة، وبعض الأقارب، يفتتحون مسيرة التواصل والفرح. من بيوت الجيران الملاصقة لبيتنا يعلو الهتاف وتنقل الحناجر دعاء الجنوب. من شباك مطبخها ترد أمي التحية مباشرة إلى صحن الدار المجاورة، وهكذا يفعل أبي مع تحية الشمال. عيد للجميع لا تشوبه مصلحة ولا تجرحه فتوى.
عمر ويمضي. أكبر مع السنين وتكبر الأسئلة وتزداد الحيرة. كبرتُ وكبر المسيح. لم يعد طفلاً. أصبح أكثر تعقيدًا، وكأني به أكثر من مسيح.
هنا على حافة الشباب أضعته. بعضهم حاول أن يعرَّفني عليه عن قرب. وبغريزة مراهق مستكشف، تبينت سريعًا أن مسيحهم لا يشبه مسيحي. فهو عندي لا يخيف ولا يفرِّق. لم يعد نصير الفقراء فللأغنياء مسيحهم. ولم يعد شفيع الضعفاء فللأقوياء مسيحهم. ولم يعد حبيب الأطفال فلمبغضيهم وقاتليهم مسيحهم أيضًا.
على حافة الشباب أضعته حين وقفت في مهده في بيت لحم. حيث كان العُصاة كالطواويس والفريسون يعبثون والهراطقة يدجِّلون. ذهبنا، مجموعة من الطلاب العرب في الجامعة في القدس، لنكون هناك في بيت لحم  الميلاد. مرة واحدة حاولنا ذلك من أجل الذكرى والذاكرة وعبث شباب في ليلة بردها قارس. كل الغزاة كانوا والمرابين والسماسرة، كلهم كانوا ولم يكن مسيحي هناك!
هللوا ورفعوا أيديهم إلى العلا حيث مجد الرب، بينما غاب السلام على الأرض وتبخَّرت المسرة. أغرابٌ سرقوا مسيحَنا، وباسمه دنَّسوا المكان وداسوا على أصحابه.

كانت ليلة حزينة مستفزة، رسّخت ما بدأ عقل يسائل فيه وحوله. أسئلة كبار أضاعوا مسيحهم، الطفل الوديع، وحاروا. فباسمه يلهج حاكم غازٍ، وسارقُ خبز الجياع يمجده ويدّعي حبه بعصبية وتعصب، يستحوذ عليه، يفصّله على مقاسه ومثاله، ويوطّنه في بيت أبيض، لا من طهر وطهارة، بل لخلو عروق ساكنيه من دم وحياء.
ورَّطوا مسيحي في ألف قصة وحكاية. أحلم، أحياناً، كيف كان مسيحي سيتصرف لو حضر المحافل التي شيَّدت باسمه والمجامع التي عقدها "الآباء"، حين فصَّلوا ورسموا للتابعين واللاحقين صورة ومفهوم مسيحهم.
أحلم وأعفي نفسي من عناء الإجابة. ففي ليلة الميلاد سأكون في بيتي ومع عائلتي، ومعنا سيكون ذلك المسيح الصغير. الأولاد سيكونون أيضًا، وسيكون حب كبير وكثير. لأنه يحب الأطفال، كلَّ الأطفال، وهم يحبونه كذلك.
معهم سأكون، وسأقبل وأرضى بمسيحهم المولود من جديد. لأنه مسيح محب مضحٍّ، فهو نصيرهم ونصير الفقراء والمساكين. في البيت سيعم سلام وستكون مسرة وسينام الأولاد ويحلمون بأحلام الصغار، وستكون أحلامهم مزركشة كفراش الجبال. أما أنا سأنام وأتمنى أن يطل على حلمي مَن سيغيب عن أحلامهم. عساني أستعيد ما أضعته، وليكن في منام.

قد يهمّكم أيضا..
featured

صدّام جديد! خيار مغرٍ... فهل هو ممكن؟

featured

بين الصعود نحو الهاوية ورؤية الطريق

featured

تغريبة بني اقرث

featured

كارثة أشدّ تهدد غزة

featured

نحن الشعب.. اخترناك من بين الشعب

featured

أيهما أعنف؟؟

featured

مفاوضات متحررة من واشنطن!