لفتك ما لفتك... كلمات اغنية كنا نرددها في طفولتنا ولكنها تصور الواقع اليوم.
ما يقارب الـ 20 سنة والمفاوضات بين الفلسطينيين وحكام اسرائيل مستمرة ولم تجلب سوى المزيد من المذلة والضحك على الذقون. حكام اسرائيل وعلى مدار هذه السنين الطويلة يلاعبون الفلسطينيين والانظمة العربية لعبة لفتك ما لفتك ولعبة القط والفأر وما بقي ان نقول لابناء عروبتنا سوى "عيش يا كديش تيجيك الحشيش" من حكام اسرائيل. والطامة الكبرى ان الزعماء العرب والسلطة الفلسطينية الحالية يتوهمون بصدق حكام اسرائيل بينما عن عمد او غير عمد يجهلون النوايا الحقيقية لحكام اسرائيل، الصهاينة الذين ما توقفوا ابدا عن مصادرة الارض الفلسطينية وبناء المستوطنات، وذلك لتغيير الوجه الفلسطيني للضفة الغربية وتهويدها بالكامل وفرض الامر الواقع مستقبلا، ومن ثم طمس القضية الفلسطينية نهائيا. الفلسطينيون في لبنان يتلبننون وفي الاردن يتأردنون وفي سوريا يصبحون سوريين وفلسطينيو الضفة يُرحّلون الى الضفة الشرقية، اما الفلسطينيون في بلاد العالم الاخرى فيُدوّلون وبذلك ينتهي الصراع الشرق اوسطي – وعلينا افشال هذا المخطط.
من الواضح ان الوضع المزري الذي تمر به الامة العربية بما في ذلك القضية الفلسطينية اليوم، هو نتاج ومحصلة اتفاقيات كامب – ديفيد التي وقعها انور السادات والذي اعطى اوراق الحل للصراع العربي الاسرائيلي الى امريكا التي ما فتئت تدعم حكام اسرائيل عسكريا وسياسيا واقتصاديا متحيزة كليا وبدرجة 180 الى جانب اسرائيل، أي عمليا السادات اعطى اوراق الحل للحركة الصهيونية. لتمرير المخطط الصهيوني الاستراتيجي "بناء الدولة اليهودية من النيل الى الفرات"
ويستمر حكام اسرائيل بلعبة "لفتك ما لفتك" هذه.
قال دافيد ليفي وزير الخارجية الأسبق ان عقد اتفاقيات كامب – ديفيد اهم للشعب اليهودي من قيام الدولة سنة 1948 وذلك لتحقيق الحلم الصهيوني. لقد جرت مفاوضات في السابق ولكن الزعيم الراحل ياسر عرفات وضع امامه خطوطا حمراء وعندما كان حكام اسرائيل يتمادون بلعبتهم كان عرفات يوقف هذه الالاعيب حتى قام حكام اسرائيل بتصفيته.
اصبح الآن من الواضح والمؤكد ان النهج الذي يقل عن نهج عرفات لا يمكن ان يصون الثوابت الفلسطينية وليس باستطاعته تحقيق ولو النزر القليل من طموحات وآمال واحلام الشعب الفلسطيني. فلن تملك اية قيادة القرار المستقل ولا تلك المرجعية الا اذا كانت صادقة مع جماهير الشعب الفلسطيني وصادقة مع نفسها.
لقد خاضت قيادة عباس مفاوضات مع حكومة اولمرت ولمدة سنتين، وخلال المفاوضات استمر بناء المستوطنات ومصادرة الارض الفلسطينية واستمر حصار غزة واستمرت الاعتقالات وغيره وغيره، وكان من المفروض بهذه القيادة ان توقف مهزلة المفاوضات العبثية لا ان تعمق الشرخ الفلسطيني وتزيد من مآسي وآلام هذا الشعب حيث اصبح مصيره مظلما بين غزة المحاصرة والضفة المصادرة. من العجب ان هذه القيادة ماضية في النفق المظلم ضاربة عرض الحائط بمواقف معظم التنظيمات والاحزاب الفلسطينية بما في ذلك مواقف كثيرة من داخل تنظيمها "فتح".
السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل القيادة الفلسطينية ماضية في سياستها عن وعي وادراك او عكس ذلك؟ فاذا كان عن وعي وادراك فهو مصيبة واذا كان عكس ذلك فهو مصيبة اكبر. ان الكرامة الوطنية الحقة والمصداقية تقتضي وقف مهزلة المفاوضات العبثية وايجاد سبل بديلة لنضال وكفاح الشعب الفلسطيني.
اصبحت قضية الشعب الفلسطيني، اليوم اكثر من أي وقت مضى، في خطر. حيث تسلخ ارضه يوميا من تحت قدميه لبناء المستوطنات، وما بناء الجدار الفاصل والعابر بكل الضفة الغربية الا شكل من اشكال المصادرة المنافية لجميع القوانين الدولية، ويخطئ من يظن ان حكام اسرائيل تنازلوا عن حلمهم العنصري – بناء دولة اليهود الكبرى، لذلك تخطئ القيادة الفلسطينية والانظمة العربية اذا ابقت رهانها بيد الادارة الامريكية المنحازة بالكامل الى جانب اسرائيل، وما كلمات وتعهدات اوباما سوى ترديد لسياسة من سبقوه من الساسة الامريكيين حيث صانعو القرار في الولايات المتحدة هم اصحاب رأس المال من شركات السلاح والطاقة والهايتك.
أمام هذا الوضع من المفروض ان تكون القيادة الفلسطينية ناضجة وطنيا وليس قيادة تمضي من تنازل الى تنازلات كما هو الحال في شرقنا العربي في ظل الانظمة الراهنة. على القيادة الفلسطينية ان تتماشى مع طموحات الشعب الفلسطيني.
اذًا ما العمل؟
من الواضح ان الخطوة الاولى التي يجب على الشعب الفلسطيني اتخاذها اليوم هي انهاء الشرخ القاسي واعادة الوحدة لجميع شرائح هذا الشعب وانهاء الانقسام غزة – الضفة والتحرك سريعا لمواجهة الاخطار التي تواجه الشعب الفلسطيني ووجوده ويتمثل هذا الاسراع بالمصالحة الوطنية بين حماس وفتح، ومن الواضح ان هناك عناصر كثيرة وطنية وصادقة في فتح وحماس تريد المصالحة.
اما الخطوة الاخرى التي لا تقل اهمية عن سابقتها وهي وضع برنامج سياسي، نضالي، كفاحي يرسم الدرب امام الشعب الفلسطيني حتى ولو كان هذا مبنيا على قواعد واسس الحد الادنى بين جميع فصائل وتنظيمات واحزاب الشعب الفلسطيني. هناك ضرورة ملحة لقيادة حكيمة قادرة على المضي قدما بهذا الشعب في هذه الظروف الحالكة، والشعب الفلسطيني قادر ان يخلق قيادة كهذه صادقة امينة على مصالحه واحلامه.
(عرابة البطوف)
