التطوّرات والتحركات الأخيرة في حلبة الاحزاب الاسرائيلية السلطوية، قد تبدو وكأنها كبيرة، لكن مفاعيلها الحقيقية من حيث التغيير السياسي، شديدة الضآلة. ولا يقال هذا من باب رفض رؤية التغيرات، بل انطلاقًا من التمعّن في خلفياتها وعمقها بالذات.
فبعد الانتخابات الداخلية الاسبوع الماضي في حزب "العمل" واستبدال زعيمته شيلي يحيموفيتش بيتسحاق هرتسوغ، الذي هزمها بفارق جديّ، وقبلها عودة افيغدور ليبرمان الى الحكومة ووزارة الخارجية، تحدّث هذا الاخير عن "أفكار أوّلية" لضم حزب المستوطنين "البيت اليهودي" الى ائتلاف الليكود-يسرائيل بيتينو. بالمقابل تدور شائعات عن محاولات اقامة كتلة من "الوسط واليسار الصهيوني".
هذه التحركات التي تنقلها وسائل الاعلام العبرية بكثير من الصخب، سرعان ما تغيب كفقاعات صابون، لأنها لا تعكس سوى صراعات واصطفافات داخلية، وعلى مستوى زعامات الاحزاب، ومن دون أن تحمل معها بالضرورة تغيرات سياسية لاحقة. ولا يعود هذا الى "استثناء" في الجهاز الحزبي الاسرائيلي السلطوي، بل الى حقيقة كون مركباته متقاربة جدًا، وأحيانًا متجانسة، في طروحاتها السياسية المركزية. مثلا: هل سيستغرب أحد حقًا لو عاد "العمل" الى التحالف مع نتنياهو؟ بالطبع لا.
لقد حاولت يحيموفيتش التحدث بـ"لكنة" اجتماعية تلمع فيها هنا وهناك مصطلحات "العدالة الاجتماعية"، وزعمت أنها تختلف تماما عن بنيامين نتنياهو في هذا الشأن. لكن اصرار زعيمة "العمل" المهزومة على مغازلة المستوطنين وبالتالي الصمت على حقيقة كون مشروعهم جريمة حرب تتواصل تحت غطاء الاحتلال – هو اصرارٌ وضَع تنظيرات يحيموفيتش عن "العدالة" في نصابها الصحيح: مجرّد كلام فارغ! فمن يزعم "العدالة" لا يمكنه الصمت على جريمة بحجم الاحتلال الإحلالي.. ولا يمكنه التهرّب المتلوّن من استحقاقات القضية السياسية رقم واحد: القضية الفلسطينية.
أما عن زعامات وطروحات ومعتقدات "البيت اليهودي" و"الليكود" و"يسرائيل بيتينو"، فمن السخف حتى البحث عن فروقات حقيقية بينها. فهي متفقة تمامًا في موقفها العدواني التوسّعي الاستيطاني، وفي رفضها أية تسوية سياسية، حتى لو تبجّح زعماؤها بهذا النوع من الفذلكات أو ذاك. والجميع يعرف قيمة حديث نتنياهو عن "حل دولتين" بشروطه.. صفر كبير! فللتسوية استحقاقات أساسية، يُعلن نتنياهو وليبرمان وبينت ليل نهار رفضهم إياها.. لا تسوية بدون تفكيك المستوطنات ومشروع الاستيطان برمّته، وبدون انسحاب تام من المناطق المحتلة 1967، وبدون احترام كامل وتطبيق لحقوق اللاجئين الفلسطينيين.