(مـصـر - طـبـعـًا!)
"اللي بنى مَصْر كان في الأصْل حَلَواني
وعشان كِدا مَصْر يا وْلادْ حِلوةِ الحلواتْ"...
الآن، أكثر من ذي قبل، لم يعد في الإمكان ولا من الإنصاف الزعمُ أنّ هذا الموّال المصريّ الجميل ما هو إلاّ كلام يثير الوجع والحسرة والأنين. الآن، إذ نسمعه، وإذ نردّده بإمكانيّاتنا الصوتيّة التي ليس في مستطاعها أن تنافس مقدرة وحلاوة تلك الحنجرة الذهبيّة (حنجرة "الحجّار")، الآن بِتْنا نحسّ بالطعم الحلو على اللسان وفي الآذان، وبِتْنا ندرك كم ظُلِم شعب مصر. ظَلَمه حكّامُه، وظَلَمه العربُ: ظَلَمه حكّامُه بإفقاره وبنهبه وبمحاولة إخراسه وإذلاله وحرمانه من تنسُّم هواء الحرّيّة؛ وظَلَمه العربُ (وغيرهم من الشعوب) إذ ظنّوا أنّ أهل مصر ليسوا لهذا العصر ولن يكون بهم أو منهم أيّ نصر.
"حلوة الحلوات"... هي مصر التي رَمَّمَتْ، وخِلناها رَمَتْ. رَمَّمَتْ أرواحَنا وكنّا (وأقصد -بالطبع- بعضَنا أو معظمَنا) نَخالها رَميمًا لا مُرَمِّمًا. كنّا نخالها قد رَمَت بنا وتبرّأت من كلّ قضيّة مُهِمّة. كنّا نخالها متسوّلاً متوسّلاً، فإذا هي سلطان عظيم. كنّا نخالها حالةَ خذلان دائمةً مُقيمةً، فإذا هي ماردٌ غير أسطوريّ، مارد بشريّ جميل يحقّق الأمنيات المداعِبة الحلوة. تلك هي "مصر التي في خاطري وفي فمي". تلك هي مصر المُصِرّة المنصورة المحروسة. هي مصر التي نتوقّع وننتظر منها أنْ تُعلِّم العرَبَ كيف تُشيَّد الديمقراطيّة، وأنْ تُعلِّم الغرْبَ والعالم أجمع أنّ الديمقراطيّة ليست حكرًا على الغرْب، وليست غريبة على الشرق، ولا تتنافى مع أوضاع الشرق وثقافته وحاجاته.
إن كان لديك أدنى شكّ في أنّ الضحك والابتسام قادران أن يكسُوَا الوجهَ وَهَجًا وجَمالاً، فتأمّلْ وجوهَ أهل مصر كما تلوح الآن بعد رحيل المخلوع "قبحي ملعون". تأمّلْ هذي الوجوه، تَـرَ جَمالاً حقيقيًّا طبيعيًّا أصيلاً. تأمّلْ فيها، تَـرَ وجوهًا لا تختلف في شيء عن الشمس. عندذاك، قد ترى أنّ تشبيه الوجوه بالشموس يستعيد بريقًا سلَبَهُ الابتذالُ.
ينهي سيّد حجاب أغنيته الجميلة تلك (أغنية المسلسل الشهير "بوّابة الحلواني") بالمقطع التالي:
"بَحْـلَم يا صاحْبي
وانا لسّه بَحْبي
بدنيا تانْيَه ومصر جَنَّه يا صاحبي
واجي احقَّق الحلم ألقى الموج عالي عالي طاحْ بي
ونعود سَوا نطوي الأنين بالحنين
وكلّ دا ومصر يا وْلادْ حلوة الحلوات"
ما أجملك، يا عمّ سيّد، إذ لم تنكفئ على أنينك ولم تستغنِ عن الحنين: حنين عاشق مصر وتطلُّعه وسعيه إلى النهوض بمصر، برغم العثرات والمعوّقات، برغم الموج المُعاكِس المُشاكس المعرقِل.
ما أجملك، يا عمّ سيّد، يا من قلت قبل عامين:
"جاي الطوفان...
جاي شايل الماضي...
يكسح في وشّه الماضي والحاضر"...
..."جاي الطوفان هدّار ومن دار لِبِيتْ
لقصوركم العالية وما لْكُمْ مُغِيتْ"...
لم يستغنِ الأصيل الجميل النبيل، سيّد حجاب، لم يستغنِ عن إيمانه العميق الراسخ بمَقْدم ثورة طوفانيّة يقوم بها مَن يرزحون تحت حكم كلاب شرسة نَهِمة نهّابة جبانة. الشعب الحيّ لا بدّ أن يكون حرًّا، أو ساعيًا نحو الحرّيّة.
إن كان لديك أدنى شكّ في أنّ الشعوب لا تموت، فما عليك إلاّ أن تتابع ما يجري منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني الأخير (في مصر، وفي تونس من قبلها، وفي سواهما الآن)، كيما تدرك يقينًا أنّ الشعوب حين تتحرّر من خوفها طوفان هي أقوى من أيّ طغيان وأيّ طاغوت وأيّ جبروت. إرادة الشعوب تصنع أقدارًا، أقدارًا هي هي الجَمال، وهي النور، وهي النهار.
20/2/2011
