متحف ذمار قبل وبعد أن دمره همج نظام آل سعود – الآباء الروحيون لداعش!
- وسائل الإعلام العالمية كرَّست تغطية واسعة للتدمير الهمجي الذي تعرَّضت له المتاحف والمواقع الأثرية في العراق وسوريا على أيدي تنظيم «داعش»، إلَّا أنَّ وسائل الإعلام تلك، لم تأتِ على ذكر التخريب الجوي المستمر التي ترتكبه السعودية في اليمن.
- الحملة الجوية السعــودية متأثرة بأيــديولوجيا «داعــش» الظلاميَّة التي يُبرِّر من خلالها سبب تدميره لمواقع التراث الثقافي. ليس هناك تفسير آخر يبرر للسعودية تدميرها لكنوز العالم الأثرية.
*فيما يرى العديد من المراقبين أنَّ اليمن هو المنزل التاريخي لملكة سبأ، إلَّا أنَّ اليمن يعدّ واحداً من جواهر العصور البشرية القديمة، ويحتوي على تراث من المعابد الرائعة، ومشاريع إدارة المياه، والمدن الشاهقة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين. هذه الثروة الثقافية لا تقتصر على المواقع الأثرية: تندرج ثلاث مدن يمنية على لائحة «اليونيسكو» للتراث العالمي*
طوال أكثر من عشر سنوات، كنت واحدة من بين علماء آثار أميركيين ويمنيين مسؤولين عن المسح والتنقيب في مواقع يعود تاريخها إلى الممالك العربية الجنوبية وعصور ما قبل التاريخ. كنا جميعاً أعضاء ضمن «مشروع ذمار للمسح» الذي بدأته جامعة شيكاغو، وسمي تيمناً بالمدينة التاريخية في اليمن.
أمضى فريق البحث عقوداً في استكشاف الآثار الصخرية الرائعة، والمدن المسوَّرة التابعة لحضارةٍ طَوَّرت زراعة المدرجات في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وهو يعدّ تقليداً قديماً حفر مساحات كاملة في قلب الجبال الشاهقة على شكل خريطة طبوغرافية. جمع هذا المشروع الآلاف من القطع الأثرية من أكثر من 400 موقع، من بينها أدوات وأوانٍ فخارية وتماثيل ونقوش في اللغات العربية الجنوبية القديمة.
كنَّا حريصين على أنّ يتمّ إيداع هذه القطع الأثرية والأدلة التي عثرنا عليها من الثقافات القديمة، في متحف ذمار الإقليمي. ما وجدناه كان قد جرى التداول به خلال العصر الحجري الحديث، ما أدى، في نهاية المطاف، إلى بناء الطرق لربط المناطق الجبلية بطرق التجارة الرئيسية.
طمس هذا المتحف من الجو. في غضون دقائق، سحقت هذه الآثار التي لا تعوض، فضلاً عن الجهود المبذولة من قبل الباحثين اليمنيين والأجانب الذين كرَّسوا سنوات حياتهم للدراسة والحفاظ على هذا الإرث. تحوَّل المتحف والقطع الأثرية الـ 12500 إلى أنقاض، و"الفضل" في ذلك يعود للقنابل السعودية.
نادراً ما يأتي الإعلام على ذكر هذه الاستهدافات التي تبيّن وجود نمطٍ في استهداف التراث الثقافي في هذا البلد الذي قدَّم مساهمات استثنائية لحضارة العالم.
وكان مدير المؤسسة العامة اليمنية للآثار والمتاحف مهند السياني، قد أكَّد لي أن 25 موقعاً ومعلماً تضرَّرت أو دُمِّرت بالكامل منذ بداية الحملة العسكرية على اليمن في 26 آذار الماضي.
وفيما يرى العديد من المراقبين أنَّ اليمن هو المنزل التاريخي لملكة سبأ، إلَّا أنَّ اليمن يعدّ واحداً من جواهر العصور البشرية القديمة، ويحتوي على تراث من المعابد الرائعة، ومشاريع إدارة المياه، والمدن الشاهقة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين. هذه الثروة الثقافية لا تقتصر على المواقع الأثرية: تندرج ثلاث مدن يمنية على لائحة «اليونيسكو» للتراث العالمي.
قبل 60 ألف عام، مشى أحدهم على طول باب المندب. وجد علماء الآثار بقايا من ثقافات ما قبل التاريخ، حيث اجتاز المسافرون والتجار البحر الأحمر وبحر العرب قبل ثمانية آلاف عام.
يوم 12 حزيران الحالي، تعرَّضت المدينة التاريخية في صنعاء للقصف من قبل السعودية. هذه المدينة المأهولة منذ أكثر من 2500 عام، تحتوي على بعضٍ من العمارة التقليدية الأكثر جمالاً في العالم. ويثير هذا الاستهداف المتعمَّد، والذي لا يمكن تبريره، خصوصاً أنَّ المنطقة التي تعرضت للقصف مأهولة بالسكان، تساؤلات حول نوايا السعودية في هذا الصراع.
هناك عشرة مواقع أخرى مصنفة، مؤقتاً، ضمن لائحة التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، من ضمنها مدينة صعدة القديمة التي تضرَّرت بشكل بالغ بفعل الغارات الجوية.
أما سدّ مأرب، الذي تزينه نقوش بالخط العربي القديم، ويعتبر واحداً من المعالم الأكثر شهرة في اليمن، فأخذ حصته من القصف. وشُيِّد هذا السدّ خلال الألفية الأولى قبل الميلاد، واستمر في العمل حتى القرن السادس الميلادي. هذا العمل العبقري كان يسمح بريّ 24 ألف هكتار من الحقول عن طريق نظام محكم من القنوات.
يوم 31 أيار الماضي، قُصف سدّ مأرب، ما أدى إلى تضرره بشكل كبير. لا يمكن أن يكون هناك سبب شرعي لمهاجمة هذا النصب القديم، فهو ليس هدفاً عسكرياً، ولا قيمة استراتيجية له.
انتهاك هذه المواقع الأثرية والمعالم التاريخية، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبنية التحتية للمدن اليمنية التاريخية، لا يمكن إلَّا أن يكون استهدافاً هدفه التدمير المنهجي للتراث اليمني العالمي.
جدير بالذكر أنَّ وسائل الإعلام العالمية كرَّست تغطية واسعة للتدمير الهمجي الذي تعرَّضت له المتاحف والمواقع الأثرية في العراق وسوريا على أيدي تنظيم «داعش»، إلَّا أنَّ وسائل الإعلام تلك، لم تأتِ على ذكر التخريب الجوي المستمر التي ترتكبه السعودية في اليمن.
ويبدو أن الحملة الجوية السعــودية متأثرة بأيــديولوجيا «داعــش» الظلاميَّة التي يُبرِّر من خلالها سبب تدميره لمواقع التراث الثقافي. ليس هناك تفسير آخر يبرر للسعودية تدميرها لكنوز العالم الأثرية.
(نشرته "السفير" اللبنانية، نقلا عن "نيويورك تايمز" الامريكية)
