لا نعرف كم عدد الصور الممنوعة المختبئة في دهاليز السلطات وأقبية المخابرات الاسرائيلية، ولكن نعرف ان هناك مئات الصور التي تبرز وتبين المذابح وعمليات الهدم وطرد الفلسطينيين. ومثلما ان هناك ارشيفا ينبض بالحقائق التاريخية من لقاءات ومراسلات وجلسات سرية تظهر كيفية الاستيلاء على الارض الفلسطينية ومسح قرى عربية كاملة عن الوجود، ومدى التعاون الذي تم مع الدول الغربية والعربية لإنشاء الدولة الإسرائيلية، فان هناك أيضا صورا تكشف تفاصيل الاحداث العسكرية والسياسية. قد تنشر هذه الصور في كتب ودراسات أو مذكرات شخصية يهودية او اجنبية، لكن يبقى أكثرها في ارشيف السرية، حتى لا تزعزع الرؤية البصرية للمشاهد او تسقط التاريخ الصهيوني في مستنقع اللوم والعتاب والتساؤل.
شكلت الكاميرا انتصارا للفلسطيني الذي اراد تسجيل ألمه وعذابه و لجوئه ومعاركه وبطولاته ومواجهاته، ولكن حين بدأ المسؤول الاسرائيلي ينتبه لخطورة الكاميرا صرخ شامير آنذاك: "اقتلوهم - أي الفلسطينيين - بعيدا عن الكاميرا"، لذلك يحرص الكثير من الجنود والقادة السياسيين والعسكريين على الابتعاد عن عدسات الكاميرات حين يتصرفون بشكل يثير الاستياء والغضب والاهانة، ويتحول سلوكهم الى اعمال مشينة مهينة تعكس مقولة ملائكية الجيش وطهارة السلاح وانسانية الجنود.
لكن في عصر الصورة المركبة او المفبركة، التي تغني عن مليون كلمة وتلخص تفكيرا وعقيدة وهوسا سياسيا وجنونا مقرونا بالتفوق والعظمة، تتحول الصورة الى سلاح يشير الى العقلية الدموية التي تترسخ في المجتمع الاسرائيلي وتشير الى النفق المسدود الذي يرقصون فيه.
عندما "ارتدى" اسحاق رابين الكوفية الفلسطينية وعلقت صوره في كل مكان من الجدران الى الساحات الى الملاعب، ووصلت نسب التأييد والتصفيق والتلويح والتحريض ضده الى ارقام فلكية، كانوا يعرفون ان الصورة مفبركة ومبالغ فيها، لكنهم اختصروا مساحة السلام الضيقة جدا المخجلة التي منحها للفلسطينيين وحولوها الى تنازل العار عن الحلم اليهودي. وهو ما شجع على اغتياله وتصفيته حتى لا ينتشر فيروس التنازل عن باقي القادة الاسرائيليين. لكن هذه المرة الصورة معاكسة فها هو يائير لبيد - وزير المالية، "يظهر" في زي ضابط نازي أشبه بأدولف هتلر. وانطلق الصراخ الجنوني: كيف يمكن ان يكون اليهودي نازيا؟! لقد وصلت الفبركة الى اقصى حالات التشويه والخوف والذعر والاحتجاج، كأن الصورة النازية نبشت اعماق الوجع اليهودي ومزجت الواقع المطمئن - الاحتلالي - بالماضي النازي الذي لا يريدون نسيانه. بل يحاولون نسج حكايتهم مع المحرقة والافران الغازية والملاحقة والقتل والتصفيات الجسدية، وتحويلها الى مشاريع تجارية في اسواقهم السياسية. وزير المالية الشاب المتدفق خداعا أيام الانتخابات يايئر لبيد، لم يصمد أمام شعاراته التي نثرها أمام مؤيديه، عن العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر. وها هو ينزل عن شجرة الخداع، ويظهر وجهه الحقيقي ويكشر عن انيابه الاحتلالية والاقتصادية. فلماذا هذا الغضب الناري حين ظهر بشخصية النازي؟!
وفي الوقت الذي تهز وتثير الصورة التحريضية للبيد "النازي" عرش اسرائيل من الاعلام الى رجال الشرطة والمجتمع الاسرائيلي، يلوح بالرفض والبحث عن واضعي الصورة على شاشات الفيسبوك، يصمت هذا المجتمع عن تسونامي الصهيوني المتطرف الحاقد عن العصابات التي تدعى "تاغ محير" أو "تدفيع الثمن" بالعربية..! فقد تحول المجتمع العربي الى رهينة بأيدي هذه العصابات التي لا نعرف من أين يأتي اولئك العنصريون الحاقدون وكيف يخططون وكيف ينتشرون. انهم يصولون ويجولون في القرى والمدن العربية وفي المدن المختلطة حيث يلاحقون المواطنين العرب. لم يتركوا مقبرة وكنيسة ومسجدا وبيتا وسيارة الا ولوثوا وحطموا وكسروا ومزقوا الاطارات. لم يتركوا شيئا الا وضعوا بصماتهم الهمجية عليه. في قرى ومدن الضفة الغربية لهم طريقتهم في حرق المحاصيل وتحطيم السيارات ومهاجمة البيوت واقتلاع الاشجار، خاصة اشجار الزيتون، والشرطة والدولة في أقصى حالات التخدير، والوهم بأنهم "مجرد صبية" يعبثون احيانا ولا يستحقون الملاحقة ما دام الضحية عربيا. واذا ارادت الشرطة ان تتكلم عن عمليات عصابات "تدفيع الثمن" تتكلم بروح الأب الذي يغفر لهؤلاء الصبية أو لاعبي "الغميضة"، الذين يختبئون في اوكار لا تصل اليها ايديهم، لأن ايدي الشرطة قصيرة وقاصرة وناعمة، وعتمة الامكنة تجرح نعومتها ورقتها..!
آخر أعمال تلك العصابات كانت في قرية أبو غوش قرب القدس، هذه القرية التي تعتبر رمزا للتعايش وتفتخر بالحضور اليهودي الدائم والمتواجد فوق ارضها، وبينهم وبين اليهود جيرة حسنة و"عيش وملح"، ونضيف "حمص وتبولة"، ومطاعمها علامة مسجلة لأخوة المعدة والهضم العربية اليهودية. هذه القرية الوادعة المستسلمة نهضت صباحا على شعارات عنصرية وتمزيق اطارات 28 سيارة، حتى من بينها سيارة عضو الكنيست السابق بورغ، الذي تركها لدى صديقه الميكانيكي في ابو غوش.
يصرخون رافضين صورة يائير لبيد "النازي"، ولا يصرخون من طوفان الحقد المتجسد بالقرارات وآخرها القانون الترانسفيري "برافر" اضافة للقوانين العنصرية التي تنهمر على رأس المواطن العربي، وعلى الأجواء العنصرية التي تتربص بالعربي في كل مكان، من محطات الباص الى المصانع الى الورش حتى الملاهي الليلية. ويضاف الى جبل الحقد الشاهق صخرة "تاج محير"..! ورئيس الحكومة نتنياهو يتوج سياسته اليمينية المرفوضة بالرفض والامتناع عن تجريم مرتكبي الاعتداء على قرية ابو غوش، ويحاول لملمة الموضوع كأنه طوشة عابرة.
اقترح على اهالي ابو غوش اطلاق عنوان لتلك الليلة التي كتب فيها عصابة "دفع الثمن" على الحيطان، مطالبين اهالي القرية بالرحيل وتمزيق الاطارات بـ"ليلة التمزيق"، على غرار "ليلة البلور"، التي حدثت في المانيا عام 1938 حين قام النازيون بتحطيم المحلات التجارية اليهودية. وقد جاءت تسمية "ليلة البلور" من كثرة شظايا الزجاج التي تناثرت في شوارع المانيا نتيجة التكسير الهمجي العنصري. وما دمنا في الحديث عن الشظايا، فقد صرح الوزير نفتالي بينت مؤخرا بأن الفلسطينيين كـ"الشظايا في مؤخرة الجيش".. مثال يتغلغل في تربة التساؤل: اذا كان وزير يتفوه بمثل هذا المستوى فلماذا تهز صورة لبيد "النازية" عرش حساسيتهم..؟!
هناك مثل ارجنتيني يقول: "الفندق الذي ينزل فيه تجار المواشي ينزل فيه اللحامون". ونحن نعيش في هذا الفندق، الذي ينزل فيه تجار المواشي واللحامون معا. لكن المؤسف ان الصمت يوغل في الصمت حتى اصبح الصمت أشبه بجرذ يقضم اصابع طفلة (السلام)، التي ما زالت نائمة..!!
