إنجاز حقوقي وعراقيل سياسية

single

إنّ الامتحان الأساسي والحقيقي للاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة، يكمن في إصرار الدول الداعمة للاعتراف على التعامل مع الدولة الفلسطينية كدولة كاملة السيادة، الأمر الذي سيتطلب الوقوف بحزم أمام السيطرة الإسرائيلية على الحدود والمعابر وسجل السكان والعلاقات التجارية وغيرها. فمثلا، إذا وقّعت الدولة الفلسطينية بعد هذا الاعتراف على اتفاقية تعاون ثنائية تجارية أو غيرها مع الصين أو تركيا، أو أية دولة أوروبية داعمة مثل فرنسا، تستطيع الدول الأخيرة أن ترفض أي تدخل إسرائيلي في تنفيذ الاتفاقية وفي تطبيقها من منطلق سيادة الدولة الفلسطينية، الأمر الذي سيحتم تصادمًا سياسيًا مع الحكومة الإسرائيلية إذا ما أصرّت الدولة الأخرى على تنفيذ الاتفاق دون المصادقة الاسرائيلية.
بهذا المفهوم، فان القيمة المضافة الواقعية للاعتراف تكمن في إصرار دول العالم على احترامه رغم أنف الحكومة الإسرائيلية، بحيث ستعتمد هذه الدول الآن على القانون الدولي الذي يقرّ بسيادة الدولة بعد الاعتراف بها من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة، حتى لو لم يصادق مجلس الأمن على انضمام فلسطين لهيئة للأمم المتحدة.
أما بالنسبة لمسألة المحكمة الجنائية الدولية فإنّ الاعتراف سيجعل من المستوطنات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية حالات واضحة من خروقات القانون الدولي والقانون الانساني على أرض دولة تعترف بها غالبية دول العالم، الأمر الذي سيشكل أساسًا إضافيًا للمدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق في الموضوع ضد إسرائيل حول خروقاتها للقانون الدولي الجنائي والإنساني (جرائم الحرب) على أرض دولة ستكون بدورها طرفًا في المعاهدة الدولية الخاصة بالمحكمة الدولية، هي معاهدة روما.
لكن من المهم الانتباه هنا أنّ لمجلس الامن صلاحية التدخل لتجميد تحقيق تجريه المحكمة الدولية، الأمر الذي قد يخلق صعوبات جدية في محاكمة ممارسات الاحتلال من خلال هذه المحكمة بسبب النفوذ الأمريكي في مجلس الأمن ورغبة الدول الأوروبية في مواصلة "المسار السياسي" على حساب المسار القضائي.
من جهة أخرى، فإنّ الاعتراف في الجمعية العمومية سيعزّز من مكانة الطرف الفلسطيني في المحاكم المحلية التي يرفعها الفلسطينيون في دول أوروبية عديدة (مثل اسبانيا وبلجيكا وبريطانيا) ضد مسؤولين إسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وذلك بسبب الشرعية الدولية الاضافية التي ستحصل عليها القضية الفلسطينية بعد الاعتراف، علمًا بأنّ هذه الدول تجيز في قوانينها محاكمة مجرمي حرب دون اشتراط ذلك بصلة خاصة للدولة. وقد حدث في السابق أن تم فعلا استصدار مذكرات اعتقال ضد قادة عسكريين إسرائيليين في بريطانيا بسبب تورّطهم في انتهاكات القانون الدولي خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
للخلاصة، فلا شك أنّ الاعتراف بفلسطين كدولة مراقبة في الهيئة العامة للأمم المتحدة سيقوّي الموقف الفلسطيني على المستويين الدولي والأوروبي، سياسيًا وحقوقيًا، لكني أخشى أن تبقى الكلمة الأخيرة هنا للمستوى السياسي على حساب معايير حقوق الإنسان والشعوب - وعلى رأسها الحق الاساس في تقرير المصير. في مثل هذه الحالة، سيكون على فلسطين أن تعود إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة لاستصدار قرارات اضافية من أجل تنظيم وضع الحالة الفلسطينية بعد إقرارها كدولة مراقبة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

عن قوس قُزح والقرامطة واليَسار ؟؟؟

featured

لجنة المتابعة العليا تجتمع اليوم الخميس في العراقيب لبحث التطورات

featured

أبعد من العوسج علّمنا ألا نساوم

featured

لكسر الاحتكار الامريكي للحل!

featured

المرحوم ياسين ياسين أسدي: لا مبادلة ولا بيع.. لا للمصادرة

featured

انما الامم الأخلاق..!!

featured

يدفعون الثمن ويبقون في بلدهم نوارة بلاد بيت المقدس

featured

الحجر الّذي رفضه البنّاؤون....