أن تسبح مع التّيّار دون أن تعرف كنهه واتّجاهه فأنت جاهل أو متسرّع، وأن تفعل ذلك وأنت مدرك أنّ هذا التّيّار لا يوصل إلى الهدف والمصلحة العامّة ولكن يجعلك مقبولاً ومحبوباً فأنت انتهازي، أمّا إذا سبحت ضدّ التّيّار لأنّك بوعيك وتحليلك للأمور بشكل علميّ وموضوعيّ وتقييم للظّروف المحلّيّة والدّوليّة وصلت إلى نتيجة أنّ هذا التّيّار لن يجلب سوى الخسارة لشعبك وقضيّتك، مع ما سيسبّبه ذلك لك من اتّهام وتخوين، فأنت إنسان مستقيم وستثبت صحّة طريقك إن عاجلاً أو آجلاً.
عصبة التّحرّر الوطني ومنذ تأسيسها عام 1943 طالبت بإنهاء الانتداب البريطاني وإقامة دولة فلسطينيّة ديمقراطيّة مستقلّة، وناضلت من أجل تحقيق هذا الهدف، ولوحِق أعضاؤها وقياديّوها، وأوقفت صحيفتها "الاتّحاد" لفترات، وبقيت صامدة على هذا الموقف حتّى صدور قرار التّقسيم في 29.11.1947 . أمّا بالنّسبة لموقف الاتّحاد السّوفييتي فقد أعلنت عصبة التّحرّر عدم قبولها بهذا الموقف وأكّدت على أنّ الصّداقة مع الاتّحاد السّوفييتي لا يعني الائتمار بسياستها الخارجيّة.
ولم يكن موقف الحزب الشّيوعي الفلسطيني الّذي انتظم فيه الرّفاق اليهود مختلفاً، فقد عارض توصيات الأكثريّة الدّاعية للتّقسيم ورأى بها أمراً غير قابل للتّطبيق.
لم تتسرّع عصبة التّحرر في اتّخاذ موقف من هذا القرار، واجتمعت قيادتها اجتماعات مكثّفة لدراسة الأوضاع المحلّيّة والعربيّة والدّوليّة ووصلت في شباط 1948 إلى موقف يدعو إلى قبول قرار الجمعيّة العامة رقم 181 ، بعد أن رأت أنّ التّوازنات جميعها ليست في مصلحة الشّعب الفلسطيني، وأنّها كانت لصالح قيام الدّولة اليهوديّة.
لقد كانت التّوازنات الدّاخليّة محسومة لصالح الحركة الصّهيونيّة، وقد ناقشتُ هذا الموضوع في مقالاتي "فلسطين عشيّة النّكبة" الّتي يمكن مراجعتها في موقع الجبهة، وملخّصها أنّ بريطانيا قد تعاونت مع الحركة الصّهيونيّة من أجل تنفيذ وعد بلفور، وقد كانت مؤسّسات الدّولة النّقابيّة والصّناعيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والعلميّة جاهزة لإعلان الدّولة. وكانت الأنظمة العربيّة رجعيّة تأتمر بأمر الإمبرياليّة، وقد صادرت قرار الشّعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ورفضت قرار التّقسيم واستبدلته بإرسال جيوش غير جاهزة للحرب أو مزوّدة بأسلحة فاسدة.
لقد واجه الفلسطينيّون جيشاً منظّماً قوامه أكثر من سبعين ألف مقاتل ، أكثر من نصفهم شارك في معارك الجيش البريطاني بمختلف أسلحته في الحرب العالميّة الثّانية، أضافة لترك الجيش البريطاني معسكراته في البلاد لهذا الجيش.
ألم يكن رفض قرار التّقسيم الّذي أبقى، ولا أقول أعطى، للفلسطينيّين 45% من مساحة فلسطين التّاريخيّة، رغم أنّه قرار مجحف، في الظّروف الّتي ذكرت بعضها خطأً تاريخيّاً، دفع الفلسطينيّون ثمنه دماً وتهجيراً وتشريداً ومعاناة. اليوم نبارك لشعبنا العربي الفلسطيني باعتراف الأغلبيّة السّاحقة من دول العالم ببعض حقّه، رغم التّهديدات الأمريكيّة والإسرائيليّة.
اليوم هناك شبه إجماع فلسطيني وعالمي على حق الشّعب الفلسطيني بدولة مستقلّة في حدود 1967،أي على 22% من أرض فلسطين التّاريخيّة، أي نصف المساحة الّتي نصّ عليها قرار التّقسيم.نحن اليوم نبارك ونهنّئ شعبنا الفلسطيني ونهنّئ أنفسنا كجزء حي وفعال من هذا الشّعب، ولكنّنا نقول ألم يثبت أنّ قبول قرار التّقسيم قَبلَ 64 عاماً كان الحجر الّذي رفضه البنّاؤون فأصبح حجر الزّوية.
