يهرب الصدق من أذهاننا وأفواهنا في الصغر والكِبر. نرفض ان نتجرعه فهو علقم نتقيأه في المدرسة والبيت والشارع.
عَمِلْتُ في مهنة التدريس ما يزيد على العقود الأربعة – في الابتدائية والثانوية وكلية التربية. واكبتُ مواكب وكواكب طلاب وطالبات من كلِّ الأعمار. حين كان احدهم يتصرف بشكل لا يليق أثناء درس من الدروس كنتُ أنبِّهه بنظرة أو بإشارة أو بكلمة فما كان منه إلا الإنكار وعدم القبول.. كان ردّ فعله يتراوح بين جوابين:
- لأ مش أنا أو
- مش بس أنا.
في القول الأول نجده يعتمد الرفض وعدم القبول، أما في الثاني فيختلط في جوابه الاعتراف والتبرير. هذه هي ثقافة الدفاع عن النفس التي ينتهجها طلابنا يوم يتلقون تنبيهًا فيه نقدٌ من احد المعلمين.. يتقمصون هذه الثقافة إلى ما بعد المدارس عندما يكبرون. في كبرهم تتقاذفهم أمواج الإنكار والتستر على سلوكيات سلبية يعتمرونها في مراحل حياتهم العملية والاجتماعية وحتى الروحية!
في العمل ومتطلباته يمارسون الفساد.. في المجتمع يتناهشون متناسين حقوق بعضهم البعض.. وفي بيوت العبادة يكذبون على ربهم بترديدهم ابتهالات سرعان ما يتناسونها خارج هذه البيوت!!
من يقبل كلامي هذا يجد أننا في رفض الصدق نتخلى عن الموضوعية وقبول الرأي الآخر.. هذه هي ثقافة التهرب التي تتحول إلى سَوءة اغتياب الآخرين من خلال إشاعات مفبركة لا تستند على ذرة من الصِدق.
يَغرِزون أظفارهم وأحيانًا خناجرهم في لحوم وأجساد الغائبين.. وعندما تسأل احدهم: هل أنت واثق بكلامك هذا عن فلان؟ هل تعرفه؟
فيكون الجواب: لا.. لا اعرفه.. لكنني سمعتُ ذلك وسمعت الناس يقولون ما قلته عنه. هكذا في اغتيابنا الذين لا نعرفهم وهم في واقعهم على عكس ما تصورهم الافتراءات والنزوات نكون من مدمني ثقافة الببغاوات.
في ممارستنا الطعن في الظهر نخلع عنا ثياب الصدق ونستهتر بتعاليم الأنبياء.
عندما ندافع عن لصوصية احد الناس زاعمين انه واحد من كثيرين على شاكلته يكون تعليلنا هذا سلعة يروجها الكذَبة الدجالون.
عندما ندافع عن قريبة لنا لا تعرف الاحتشام زاعمين ان سلوكها لا يختلف عن مسلك الكثيرات.. بدفاعنا هذا لا نطمس سوءاتها وقبيح أفعالها!
في حرب المناشير غير الموقعة ضد رموزنا السياسية والأدبية والروحية وفي تعليقاتنا المستهجنة في مواقع التواصل وشبكاتنا الالكترونية تستعبدنا ثقافة التهرب والاغتياب..
إنها لعمري آفة يجب ان نتكاتف جميعًا لتطهير أفواهنا وأذهاننا من وخيم عواقبها.
