ليس من السهل عليّ، أن أقف اليوم لكي أؤبن قائدًا ساهم مع رفاق جيله في صنع المعجزات، منذ الخمسينيات، وذلك في سبيل تثبيت أقدام جماهيرنا العربية من أجل البقاء ولبناء حزب شيوعي، عربيًا يهوديًا، على أساس المبادئ الثورية الأممية السامية.
لا يمكن ببعض الدقائق إيفاء هذا الرفيق المناضل حقه، فتاريخه مرتبط مع رفاق جيله، من القادة العظام، الذين رحلوا عنا، خلال مسيرتنا الطويلة. إن رفيقنا حسن المحمود، قد تحمّل مع رفاق جيله، المسؤولية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. فقد قدموا التضحيات وتحملوا الصعوبات، بأمانة وبمصداقية على طريق مبادئ حزبنا السامية.
وعلى الرغم من سياسة الحكم العسكري البغيضة: من الاعتقالات والملاحقات السلطوية، وعلى الرغم من سياسة النفي والإقامات الجبرية، بقي رفاقنا صامدين، برؤوس مرفوعة. لقد طُرد رفاقنا من وظائفهم، وطال الإرهاب حتى أصدقاء الحزب، وحتى قراء "الاتحاد"، الذين لم يحصلوا على التصاريح للوصول إلى أعمالهم، بهدف سد أبواب الرزق أمامهم.
لقد طرد رفيقنا حسن المحمود من عمله، حيث كان يعمل مسؤولاً في الأحراش، بهدف ثنيه عن طرقه فما زاده هذا الإرهاب السلطوي سوى صلابة وعناد. وفي تلك الفترة القاسية حصلت عدة صدامات مع السلطة، من خلال المظاهرات والاعتصامات التي نظمها حزبنا بهدف الدفاع عن حق شعبنا في العمل والتطور. وفي حينه نظمنا المظاهرة المشهودة في أول أيار في العام 58، حيث تحدى حزبنا أمر منع المظاهرة، لأننا أصررنا على رفع مطالبنا العادلة: حق العودة، وحق تقرير المصير وحقوق جماهيرنا العربية.
لقد شهدت شوارع الناصرة الاشتباكات بين رفاقنا المصرين على التظاهر وبين الشرطة، واستمرت المواجهات الدامية طيلة اليوم في جميع أحياء الناصرة، واعتقل حينها أكثر من 500 رفيق وصديق. وبالرغم من هذه الاعتقالات استمر حزبنا بنشاطه، بتوزيع البيانات وبيع "الاتحاد"، بواسطة نسائنا وأشبالنا. نعم في هذه الظروف ناضل حسن المحمود ورفاقه، ولم يتراجعوا خطوة واحدة، في مواجهة سلطة استهدفت وجود هذا الشعب وسعت إلى ترحيله عن بلاده.
وفي العام 1956، أقدمت على عمل بربري، حيث قتلت العشرات في كفر قاسم، وذلك بهدف ترحيل جماهير شعبنا في المثلث. وفي حينه قام قياديا حزبنا البطلان، المرحوم ماير فلنر وأطال الله في عمره توفيق طوبي، بالتسلل من بين الجبال، إلى كفر قاسم ليكشفوا للرأي العام عن هذه العملية الإجرامية، ومنعت السلطة النشر ولكن بالرغم من هذه الإجراءات الإرهابية، تمكن رفاقنا من تسريب الخبر وإدانة حكام إسرائيل.
واليوم حين نشاهد الأعمال الإجرامية التي تقوم بها السلطات ضد سكان القدس العربية، من هدم البيوت، ومصادرة الأراضي، فهذا يذكرنا بالجرائم التي اقترفت بحق شعبنا منذ الخمسينيات والستينيات. ففي ذلك الحين تم سن قوانين لمصادرة آلاف الدونمات في الجليل والمثلث والنقب ورأت قيادة حزبنا الخطر الداهم على مجرد وجود شعبنا، فأعلنت الإضراب العام في الثلاثين من آذار في عام 1976.
وفي حينه، عقدت لجنة رؤساء المجالس المحلية العربية اجتماعًا لها في بلدية شفاعمرو، للتداول حول الإضراب، وفي هذا الاجتماع جرى نقاش صاخب، حيث أيد رفاقنا وأصدقاؤنا الإضراب وكنا في حينه أقلية، وفقط سبعة كانوا مع قرار الإضراب وهم: المرحوم توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة والمرحوم حسن محمود خطبا، القائم بأعمال رئيس مجلس الرينة ومحمود نعامنة، رئيس مجلس عرابة ويونس نصار، رئيس مجلس طرعان وأمين عساقلة، رئيس مجلس المغار وجمال طربيه، رئيس مجلس سخنين وأسعد يوسف، رئيس مجلس يافة الناصرة.
وكان مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية، شموئيل طوليدانو، يراقب الأحداث من الخارج. وجرى صراع عنيف، ولكن الألوف من أهالي شفاعمرو، ومن بينهم الطلاب الجامعيون، تجمعوا خارج البلدية، وبدأوا بالهتافات، واصفرّت وجوه الرؤساء المعارضين للإضراب. هذه الجماهير المحتشدة هي التي فرضت الإضراب.
وبعد يوم الإضراب التاريخي هذا، صرح طوليدانو: آن الأوان لتغيير نظرة الحكام تجاه الجماهير العربية. لقد كان يوم الأرض نقطة انعطاف في تاريخ جماهيرنا وشكّل طفرة في نضالها. وفي الانتخابات المحلية تغير ميزان القوى، حيث تم انتخاب أكثر من 20 رئيس مجلس محلي، شيوعيًا وجبهويًا. وفي انتخابات للكنيست تالية حصل حزبنا على أكثر من 50% من الأصوات، لأول مرة في تاريخ الجماهير العربية، وفرضت الجماهير العربية هيبتها على المؤسسات الحاكمة.
هذه الطفرة تحققت بفضل رفاق قياديين، مسؤولين، مثل الرفيق حسن خطبا، الذين تميزوا بالشجاعة والصلابة والحكمة. وللرفيق حسن خطبا كان دور مركزي خلال الأيام الصعبة، أيام حرب حزيران العدوانية في العام 1967، فقد أوكل للرفيق حسن مهمة تحضير مكان لطباعة مناشير الحزب، ضد هذه الحرب، وخاصة أننا بدأنا الاستعداد للعمل في ظروف العمل السري، وذلك بعد وصول معلومات حول نية السلطة إلغاء شرعية حزبنا. وفي حينه، جرت محاولة لاغتيال رفيقنا المناضل ماير فلنر، وكادت طعنة تودي بحياته.
وهذا الإرهاب تواصل بمحاولة اغتيال الرفيق توفيق زياد رئيس بلدية الناصرة. واستمر هذا المسلسل الإرهابي ضد قيادتنا حتى في السنوات الأخيرة، حينما تم التحضير لاغتيال الرفيق محمد بركة، وكذلك تفجير قنبلة في سيارة الرفيق عصام مخول بهدف اغتياله. وقبل الـ 48، جرت محاولات اغتيال لرفاقنا، بسبب مواقفنا المبدئية التي ثبت صحتها على ارض الواقع.
على هذه الأجيال أن تتذكر دور هذه القيادة التي سطرت تاريخًا حافلاً بالنضال، وأن يتصدوا لمن يحاول تشويه التاريخ وتزييف مواقفنا ونضالنا. إننا نعتز بهذه القيادة، فسيروا على هذا النهج.. فيا رفاق حسن المحمود، حافظوا على ذكراه. وباسم حسن المحمود ورفاق دربه في الرينة، خالدي الذكر، ممن سبقوه، ومنهم: جابر خميس، محمود خطبا، الشاعر الوطني الشعبي الذي كان دائمًا صديق الحزب والجبهة، توفيق الريناوي، أبو الأمين، عارف الطيب أبو عصام، ندعو أجيالنا الصاعدة في الرينة لمواصلة طريقهم المشرف. ونحن نعتز بكوادرنا الحزبية وبأجيالنا الصاعدة، وبهم نحن مطمئنون أن مسيرتنا مستمرة على نفس طريقنا النضالي.
