قرار المستشار القضائي لحكومة إسرائيل، السيد ماني مزوز، بتقديم لائحة اتهام بحق النائب الجبهوي محمد بركة هو قرار مستفز وخطير، بيد أنه متوقع، لا سيما في هذه الأيام التي تمر فيها مؤسسة المستشار القضائي بأزمة شديدة، نتيجة لموقف وزير العدل يعقوب نئمان، الداعي إلى وجوب تجزئة هذه المؤسسة لتغدو مرؤوسة برأسين: الأول تخصص صلاحيته للشؤون الجنائية والثاني يعمل كمستشار للحكومة ورئيسا ً للنيابة في الشؤون المدنية.
منذ إنشاء هذه المؤسسة وطيلة عقود انشغل رجالات القضاء الإسرائيليون من جهة وسياسيوها من جهة أخرى، بتحديد معالم ووظائف المستشار القضائي للحكومة، وكذلك بتشخيص وتعريف صلاحيته ومكانته من حيث الولاء وضرورة انصياع مركبات الحكومة الإسرائيلية لفتاوى المستشار، خاصةً عندما تكون هذه مغايرة لمواقف هذا الوزير أو ذاك المسؤول.
ما رسّخ من قواعد في السنوات الماضية، أفضى إلى كون المستشار هيئة مستقلة. فعلى الرغم من تعيينه من قبل الحكومة إلا أنه يصبح مستقلا ً مع شروعه بممارسة وظيفته، علما ً بأن الحكومة تحتفظ بحقها الدائم في إقالته، كما حصل مع المستشار يتسحاك زمير في عام 1986 إثر موقفه في قضية رجال المخابرات الذين تورطوا بقتل فلسطيني قام بعملية اختطاف باص وضبط حيا ً وقتل بدم بارد بأيدي من ضبطه من رجال المخابرات.
كما في كل موقع، هكذا تتأثر هذه المؤسسة بشخص من يقف على رأسها، بقوته وبمفاهيمه الأساسية حول أهمية الدور الذي سيلعبه وما أنيط به من مسؤوليات تكاد تكون من الأخطر في حياة الدولة العصرية لأنها تتعلق بقضايا مثل سلطة القانون وامتثال الجميع أمامها، خاصة الحكومة وكبار موظفي الدولة، وكذلك عدم الكيل بصاعين ومساواة الجميع أمام القانون، إلى حفظ الأمانة وهذه يجب أن تكون دائما ً أمانة أمام مصلحة الجمهور وسلامته وليس أمانة للحكومة التي اختارت وعينت المستشار.
كل هذه كانت من القضايا التي أقلقت من تابع سيرة هذه المؤسسة في العقدين الأخيرين، إذ توالى على هذه الوظيفة مستشارون قضائيون ضعفاء، تماثلوا وجاملوا "الحاكم" وبممارساتهم تحولوا إلى محامي دفاع يبررون ويدافعون عن هذا الحاكم، حتى وإن كانت قراراته وأعماله قرارات الشيطان نفسه.
لن أتعب القراء بسرد تفصيلي لتاريخ هذه المؤسسة منذ تركها المستشار يتسحاك زمير (قاضي المحكمة العليا فيما بعد) ولكنني أشير إلى أن تقهقرا ً خطيرا ً قد مسها، حتى أنها أمست كالثور المتعب في تلك الحلبة يترقب وينتظر ذاك الرمح القاتل والأخير.
ما لم يفهمه بعض المستشارين، أنه ومع كل تنازل أمام "الحاكم" ستزداد الشهية وتكبر الضغوط، خاصة في نظام تتآكل مفاصل الضبط والتحكم فيه ومجتمع تنهار فيه القيم الأساسية ليغدو غابا ً وفي الغاب لا قانون إلا قانون الغاب.
كثيرة كانت القوى التي صوبت سهامها إلى هذه المؤسسة. في الماضي كان هؤلاء بعض الساسة الذين شعروا بأن المستشار القوي الأمين على مبادئ الديمقراطية والقانون يقف حاجزا ً وصادا ً لمآربهم ونزواتهم، أما اليوم، وإزاء ما يجري من تحولات سياسية واجتماعية خطيرة في المجتمع الإسرائيلي والدولة يتمثل هؤلاء بحركات سياسية وأحزاب ومجموعات ضغط مؤثرة وكبيرة ومعظمها ينتمي إما إلى الذهنية العسكرية الفاشية أو أساطين رأس المال أو الحركات السياسية اليمينية وآخرها الحركات الدينية التي لا قانون في شرعها إلا ما شرعه ربّهم وعقيدتهم.
كل هؤلاء يتأهبون لإطلاق سهم الموت على هذه المؤسسة وتفريغها من مضمونها الأصلي والكلاسيكي أو إخضاعها وتحويلها إلى مكتب محاماة يدافع عن زبائنه من الحكومة ووزاراتها وما يفرزونه من شطط وتعسف.
في الإطار العام وعلى مستوى الممارسة والتنفيذ، لم تشذ هذه المؤسسة في تاريخها عن غيرها من مؤسسات الدولة، إزاء الجماهير الفلسطينية في إسرائيل وفي المجمل ما استحكم في عقول القيمين عليها من تعريفات أساسية لكيفية رؤية هذه الجماهير وتصنيف مكانتها، ليس بالمفهوم الحرفي القانوني الجاف، إنما بمفهوم إنصاف هذه الجماهير وتطبيق حقوقها القانونية أو تلك المطالب بها، بالمجمل كانت هذه المؤسسة ذراعاً تنفيذية للسياسات النافذة لدى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والمؤسسة بشكل عام، باستثناء بعض الحالات العينية في بعض الميادين الخاصة.
هكذا كان الوضع بشكل عام ولكننا نلحظ أنه وكلما ضعفت مكانة هذه المؤسسة وهزلت أمام "الحاكم" هكذا نكون نحن الفلسطينيين الضحية الأولى والأسهل لتقديمها على مذبح السلطة إيمانا ً بأن دم هذه الضحية سيشبع جشع "الآلهة" ويرضيها.
في الماضي كانت هنالك استثناءات في مواقف المستشارين القضائيين وفي بعض الميادين، حيث أنقذ فيها قرار حقا ً لعربي.
وفي الماضي قرر المستشار القضائي تقديم لوائح اتهام بحق قياديين فلسطينيين أو مواطنين وكانت قراراتهم مستفزة وخطيرة أيضا ً كما في حالة النائب بركة. في الماضي كال المستشار القانوني بمكيالين فغض الطرف عما يقترفه مجرم أو محرض يهودي وسارع بمقاضاة الفلسطيني حتى إن كان ضحية (كما في حالة شفاعمرو ومصمص وغيرها).
أما اليوم ولضعف هذه المؤسسة واستمرار محاولات إضعافها أو إخضاعها نهائياًً، كما يجري في هذه الأيام وفي السنوات التي خلت، أخشى أن نفقد حتى القليل القليل الذي كنا نحققه أحياناً.
إنني أضم صوتي إلى جميع البيانات الشاجبة لقرار المستشار بحق أحد أهم القياديين في الدولة وما يرمي إليه هذا القرار من ترهيب الآخرين وإخماد هذا الصوت الواضح العنيد الوطني المثابر، فكل ما كتب بحق ٍ كتب.
مع هذا قلت أن قرار مزوز كان متوقعا ً لأنه يقدم ضحية سهلة على مذبح السادة ولكنه قرار خطير يستوجب منا أن لا نستكفي بالشجب والتوصيف فعلى مؤسساتنا القيادية وتلك التي تعنى بالشؤون القانونية والمدنية لجماهيرنا ومعشر المحامين والقانونيين بيننا، تدارس قضية علاقتنا بمؤسسة المستشار القانوني للدولة بشكل شامل ومعمق، وفي طليعة ذلك، علاوة على تقييم دور هذه المؤسسة تجاهنا، هل في صالحنا أن تكون مؤسسة مستقلة قوية يقف على رأسها شخص مثل يتسحاك زمير أو أهرون براك من جهة، أو مثلا ً شخص كإلياكايم روبنشتاين (قاضي العليا حالياً) أو يوسف حريش أو من يعينه أفيجدور ليبرمان وأمثاله؟ وهل يمكن أن يكون لنا دور أو تأثير في هذا الشأن؟ وهل حاولنا في الماضي؟.
من الجائز أن يكون جوابكم الفوري: لا فرق بين هذا وذاك، فكلهم بالشر سواسية، وإن كان هذا هو الجواب فليكن بعد دراسة وبحث، فحتى اليوم اكتفينا وكلما وقعت القرعة على أحدنا برد الفعل، معلين أصواتنا شاجبين ومحتجين وهذا أمر ضروري وهام ولكنه برأيي غير كاف ٍ.
عليه لتكن قضية النائب بركة محفزا ً لنا، ففي النهاية لا يستسيغ عاقل أن نكون في خندقٍ يتمترس فيه إيلي يشاي، إيفيت ليبرمان، باروخ مارزل وأشكالهم، حتى وإن كان لدينا ما يكفي من الأسباب لدمغ هذه المؤسسة وممارساتها في حقنا، فهم يسعون ليكونوا برقا ً تصعق نيرانه منازلنا ونحن بحاجة ٍ إلى صواعق تحمينا من شرهم. وحدتنا وصمودنا صواعق، إنما لن يضير أن نفتش ونحاول أن نتسلح بأخرى.
