من ذاكرة قرانا: على جيل سيخ

single

هي قرية عربية، تتربع على ظهر جبل سيخ، انتشرت بيوتها منذ مئات السنين، على عشرات الدونمات الجبلية، لتطل صباح مساء على مرج ابن عامر، مرج الخصب والعطاء، وهو يمتد ويتسع أمامها على مد النظر.
إلى الغرب منها، كانت منازل الأمير المتمرد، عقيلة الهاشمي. وجبل سيخ أجمل واعز مكان عليه في فلسطين، إذ كثيرًا ما ردد الناس الأغنية المشهورة عنه ومطلعها:
عز المنازل يا عقيلة جبل سيخ والخير جانا من يم الصبيحات
منازل عقيلة تلك طمستها مدينة نتسيرت عيليت الحديثة، والى الجهة الجنوبية الشرقية منها، ينتصب شامخًا والى الأبد جبل الطور، وقد زنرت خاصرته بيوت عشيرة الصبح البدوية التي ارتبطت بعلاقات طيبة وجيرة حسنة مع أهالي عين ماهل.
سوء أوضاع أهلها الاقتصادية، دفع العديد من شبابها للعمل كحراثين لدى كبار الملاكين في الناصرة، وقد امتلكوا آلاف الدونمات، في المرج الرحب ومساحات واسعة إلى الغرب من قريتهم.
عاشوا رغم الفقر والفاقة صابرين محتسبين، وهم يعددون مآسي النكبة وويلات التشريد، التي لحقت بأبناء شعبهم، كما تعرضوا كثيرًا في سهراتهم لحكايا المداهمات التي مارستها القوات البريطانية لبلدهم خلال الثورة.
في منتصف الخمسينيات بادر بعض شباب عين ماهل العمل في التجارة وهي تهريب بضائع من الأردن إلى البلاد، في رحلات خطيرة، واجهوا خلالها الموت مرات عديدة.
حدث ان وصل احدهم إلى عرابة ببضاعته المهربة ليشارك فيها نعيم احد شباب القرية. بعد ان باعوها، جلسوا في اليوم الرابع للحساب لكنهم عجزوا فتوجهوا لصاحب الحانوت القريب، أبو سمير، دقق لهم الحساب وقسم الأرباح بينهما. والد نعيم تدخل منحازًا لصالح ولده، فاغضب الضيف حتى انه عاد إلى بلده ناقمًا على الوالد وراضيًا من الابن.
ودارت مواكب الأيام في مشوار الزمن، والأوضاع المعيشية في عين ماهل لم تتحسن، خاصة ورحلات التهريب توقفت بسبب الدوريات الإسرائيلية المستمرة على طول نهر الأردن.
رغم ذلك لم يفكروا في زراعة كروم زيتون في أراضيهم القريبة من القرية وهي ملائمة جدًا للشجرة المباركة، لهذا كانت قريتهم هدفًا لتجار الزيت من شباب عرابة وكانوا كثيرين، يجوبون الناصرة وقراها، ومع كل تاجر كمية من زيت الزيتون لا تتعدى المئة كيلو غرام، ينقلها على دابة، ويمضي يومين أو أكثر حتى ينهي تسويقها.
في إحدى الرحلات ترافق محمد العريطي وأبو نعيم، فهما جيران وأصدقاء، ما ان وصلا مشارف عين ماهل، حتى نشطت الحاسة السادسة لدى "أبو نعيم" فشد كوفيته حول وجهه، وعند دخولهم القرية التقى ذلك الرجل كأنهم على موعد معه، عندما عرف انهما من عرابة قال: لي حق عند أهل عرابة وحدثهم بما جرى له مع والد نعيم. أثنى بالخير على الابن أما الوالد فقال الله لا يبارك له.
قبل ان يكمل حديثه أدرك أبو نعيم خطورة الموقف بالإحراج الذي سيقع فيه فالتفت إلى العريطي وقال:
أتعرف من هذا أبو النعيم؟ انه سعيد الداهود، يا ويله من الله كيف هضم حق هذا الرجل، وأضاف "يا أخي شو بدي أقول لك، عيب الواحد يطعن في ابن بلده، لكن هذا الرجل.. الله يستر".
ابتسم العريطي ابتسامة حاول إخفاءها كي لا يفضح رفيقه، خاصة وانه يعرف تفاصيل الخلاف بينهما قبل سنوات.
ما ان ابتعد الرجل عنهما حتى ضحك العريطي وهو يقول "دبرتها ونفدت من علقة سخنة".
"نعم.. معلوم.." أجاب أبو نعيم وأضاف: "يدبرها الحكيم بطيب رأيه.. ويطلع من عواقبها سليم" بفضل سرعة الخاطر التي كان يملكها، تخلص من لحظات عتاب وإحراج اقل ما ستكون له مع الرجل.
"طيب نادي بأعلى صوتك على الزيت، وإلا برجع أقول للرجل هذا هو أبو نعيم، شاطر تعمل حالك أبو علي في الديوان كل ليلة" قال العريطي.
انطلق صوت أبو نعيم: "زيت مثل السمن يا موان استعجل تلحق قبل ما نخلص ونروح، زيت يا موان.. زيت البطوف". ما ان يسكت ليرتاح حتى يطلب منه العريطي ان ينادي. وظل كذلك حتى طافا كل شوارع وزقاقات القرية، بح صوته وأعياه النداء، مع ذلك بقيت معهما كمية قليلة.
في الطريق إلى الناصرة، وفي موقع الناصرة اليهودية اليوم طلب العريطي منه ان ينادي. يا ظالم لمين بدي أنادي، للشجر أم للحجر؟ لو قلت له عندما التقينا أنا أبو نعيم لكان أريح لي من ظلمك.
في عام 1996 زرت عين ماهل ود. احمد الطيبي للمشاركة في اجتماع شعبي انتخابي، إذ كنا نخوض الانتخابات البرلمانية بقائمة مشتركة من العربية للتغيير ومرشحها الطيبي والتقدمية ومرشحها كاتب هذه السطور، لكن قائمتنا انسحبت من المنافسة بطلب من المقاطعة، رام الله.
بعد الاجتماع الناجح ذاك طال السهر، واستمر الحديث مع الشباب الذين فاجأوا بكثرة حضورهم وطاب الحديث مع دكتور شاب. تحدثنا في السياسة وعن الأرض والزيتون، عندها حدثتهم عن رحلة أبو نعيم والعريطي إلى بلدهم عام 1955، ما ان سمعوها حتى انفجروا بالضحك.
أكثر ما لفت انتباهي، حديث الدكتور عن نشاطه الزراعي وحبه الشديد للأرض وبدا معتزًا إذ استطاع غرس حوالي ألف غرسة زيتون بعد يوم الأرض وحتى اليوم تعطي ثمارها المباركة. قال مسرورًا بجهده، وأضاف، مثلي فعل الكثيرون من أهل بلدي، حتى أصبحت عين ماهل تنتج وتصدر كميات من زيت الزيتون بعد ان كانت تشتريه من القرى الأخرى.
أصبح حولها كروم خضراء وهزيلة العطاء بسبب تربتها الملائمة والتي تحتفظ بالرطوبة خلال الصيف والخريف.
وواصل الدكتور حديثه عن غرسه بفخر واعتزاز وهو يقول: أجدادنا ما غرسوا لنقول غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون، أما جيلنا فغرس واكل من غرسه والحمد لله. عندها قلت، وأنا يا دكتور غرست أكثر من 1200 غرسة وهي اليوم تعطي ثمارها كما يطيب لي ان أتجول بين أشجارها خاصة عند المساء تراها تتمايل مع هبات الريح كأنها عرائس في ليلة الزفاف، ما أجمل ذلك المنظر. برافو قال الدكتور.
في الليلة التالية حدثت رواد الديوان عن زيارتي لعين ماهل وكيف ضحك الشباب عندما رويت لهم حكاية أبو نعيم، ترحم العريطي على جاره وقال كل الاحترام لأهالي عين ماهل الله يبارك ويزيد في كرومهم، حتى سنة 1958 لم يكن فيها كرم زيتون يذكر.
شجرة الزيتون هي الطابو الرسمي والاهم للأرض، به نتصدى لكل أنواع المصادرة والاغتصاب التي تحوم حول أراضينا، قال احد شباب الديوان.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"ياسر عرفات".. حقائق 104 أعوام بالصوت والصورة

featured

أمّا الرؤساء فأغلى!

featured

مجتمعنا النصراوي سيبقى موحدا

featured

يمينيّ بالقول وبالفعل

featured

حلقة في سلسلة جرائم واشنطن

featured

النفط الصخري و «الانهيار» القادم في السعودية

featured

الحكومة هي المشكلة

featured

أنا أتّهم المدارس الأهلية