أنا لستُ محاميًا ولا رجُلَ قانون، لكني كالآخرين، اعرفُ انَّ تسلسل المراحل في إي دعوى، يكون وفقا للترتيب التالي: تقديمُ لائحة اتهام، فمحاكمة ٌ فقرارٌ. لكن عندما يصبح الحديثُ عن مستحقات المدارس الأهلية، فإنّ هذا الترتيب المنطقي الموضوعي الحضاري ينقلب رأسا على عقب، فتسارع وزارة المعارف أولا إلى إصدار قرارها بإعدام المدارس الأهلية تجفيفا ، وبعبارة أدق خنقا ، حتى الموت، وثانيا إلى إجراء محاكمة ميدانية لهذه المدارس عبر مفاوضات مملة مرهقة وتصريحات إعلامية مضللة. أما لائحة الاتهام الحقيقية فلا ذكر لها. وعليه وكي لا تبقى هذه الحلقة ُ مفقودةً، قررتُ ان أقوم بإعدادها تطوعا، وبالتالي فانا أتّهِمُ المدارسَ الأهلية بما يلي:
التهمة الأولى: الاعتداء على الظلمة التي اكتنفت شرقنا في ظل العهد التركي، واختراقُ غلافها والتسللُ إلى داخلها بشموعِ معرفةٍ اسمها مدارسُ المسكوب وتراسانطة وراهبات الناصرة والمدارس الأسقفية الوطنية وغيرها. فعلى سبيل المثال فقط لا الحصر إطلاقا، أقول ان المصادر التاريخية التي اطلعتُ عليها، تؤكد:
1. وجودَ مدرسةٍ للفرنسيسكان (تراسانطة) في الناصرة سنة 1645 أي قبل 370 سنة.
2. ان "الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية والكنيسة الأرثوذكسية والمحسنين الروس قاموا بشراء الأراضي في فلسطين وسوريا ولبنان وبناء شبكة واسعة من المستشفيات والمدارس ودور المعلمين (كالمسكوبية في الناصرة) ظلت تتسع باطراد حتى فاق عددها قبيل الحرب العالمية الأولى، المائة مدرسة، يتعلم فيها نحو 12000 طالب وطالبة من أديان وقوميات عديدة".
3. ان مدرسة راهبات الناصرة في حيفا تمّ إنشاؤها سنة 1858 أي قبل 157 سنة.
4. طيب الذكر المطران حجّار، المعروف باسم مطران العرب، أسّس وانشأ أكثر من خمسين مدرسة أسقفية وطنية في مطلع القرن العشرين، أشهرها مدرسة البصة التي ارتقت حتى بلغت درجة منح شهادة الثانوية العليا، وانتسب إليها (أسوة بالمدارس الأهلية الأخرى) طلابٌ من مختلف الطوائف، ليس من عكا والجليل فحسب، إنما أيضا من جنين وطولكرم وجنوب لبنان أيضا.
التهمة الثانية: الاعتداءُ على جدار الفصل الطائفي و/أو الإقليمي الذي جعل من العرب عُربانا منهم: السني والشيعي والدرزي والكاثوليكي والرومي والموراني والبروتستانتي والجليلي والمثلثي والنقبي وغيرهم. المدارس الأهلية احتضنت الجميع فأصبحت (حتى ولو من حيث لا تدري كما يدعي البعض) بوتقة َ انصهارٍ ناجعة ً جدا وناجحة ً للغاية.
التهمة الثالثة: إحراجُ المسؤولين عن التعليم الرسمي في أروقة وزارة المعارف، لأنها (أي المدارس الأهلية) بما حققته من نجاح متألق محليا وقطريا، بصورة مجردة وبالمقارنة حتى مع التعليم العبري، قد رفعت لدى الأهالي العرب في التعليم الرسمي أيضا، سقفَ تطلعاتهم، كما كشفت النقابَ عن التمييز المقنّع اللاحق بالتعليم العربي الرسمي من قِبَل وزارة المعارف. يبدو لي انه لولا وجود المدارس الأهلية وما سجّلتْه من النجاح والانجازات، لكان ردُّ المسؤولين الحكوميين عن أي تقصير، هو ذات الردّ العنصري ومفاده "لا نستطيع ان نطالب الطالب العربي بأكثر ممّا يملك من طاقات".
التهمة الرابعة: الاعتداء على حدود مناطق التسجيل (ايزوري ريشوم) المتبعة في السلطات المحلية كبلدية حيفا ولربما في غيرها من البلديات أو المجالس المحلية. إذ وفقًا لنظام "مناطق التسجيل" هذا، تُقسّم المدينة أو القرية إلى عدد من المناطق لكلٍ منها مدرسته الرسمية الابتدائية. تلاميذ منطقةٍ ما ملزمون بالتعلم في مدرسةِ منطقتِهم فقط ولا يحق لهم ان يتعلموا في مدرسة منطقةٍ أخرى. بعبارة أخرى، إن نظام "مناطق التسجيل" في التعليم الرسمي، يصادرُ حرية الأهل في اختيار المدرسة التي يريدون لأولادهم الصغار ان يتعلموا فيها، بينما المدارس الأهلية لا تلتزم بهذا النظام التعسفيّ.
التهمة الخامسة: العجز عن اجتراح أعجوبة جديدة مشابهة لأعجوبة تكثير الخبز والسمك التي قام بها السيد المسيح (وفقا للعقيدة المسيحية). يبدو لي ان وزارة المعارف التي يقف على رأسها وزيرٌ يعتمر قبعة المتدينين، تَعْتبرُ ان المدارس الأهلية هي ليست فقط بمُلكيّة مؤسساتٍ مسيحية، إنما هي أيضا السيد المسيح نفسه. وبالتالي فهي تريد من المدارس الأهلية انْ "تمط َّ" الـ 29 بالمئة لتصبح بقدرة قادر 100 بالمئة. أي ان الوزارة تقدّم للمدارس الأهلية 29 بالمئة من التكاليف وتطالبها بتغطية 100 بالمئة من التكاليف الحقيقية!!. معقول يا ناس؟!!.....وكيف الخروج من هذا المأزق؟ وما العمل بعد كل ما عُمِلَ حتى الآن؟ عن هذا سيكون لنا حديث نضع فيه النقاط على الحروف، في الأسبوع القادم. فإلى اللقاء...