عندما تحتل اسرائيل شعبَها

single

*التضليل الذي تمارسه المؤسسة الاسرائيلية هو نوع اخر من الاحتلال، احتلال الدولة لعقلانية مواطنيها واستقلالية فكرهم وارائهم* 

 
عودتنا حكومات اسرائيل المتعاقبه- بيمينها ويسارها المزعوم- ان تجد اعذارًا وتغطي على تجاوزات جيشها واحتلالها "المتنور والأكثر اخلاقية في العالم" - كتعبيرها الدارج- بحجج اقبح من ذنب. وان تنسب استهتار جيشها بمعايير حقوق الانسان، واذلاله للفلسطينيين على المعابر، واطلاق النار على بعضهم دون تبرير،  وقتل المدنيين منهم والاطفال والنساء، واطلاق تفوهات عنجهيه من قبل ضباط الجيش وغير ذلك الكثير من التجاوزات - الى افراد،  وليس الى سياسة الدولة. وعادة تحاول الدولة ان تظهر بمظهر الآسفة على هذه الاحداث وتجد لها "ضحية" اخرى من صغار ضباطها لتلقي بالمسؤلية عليه فتسود وجهه لتبيض وجهها امام الراي العام.
 بحسب تصريحات كبار مسؤولي  الدولة، فإن الدولة وجيشها ليس فقط أنهما لا يقبلان بهذه الجرائم، انما حتى الكذب مرفوض عليهما!. يا سلام.. كيف لا وقبل فترة قصيرة فصل الجيش احد ضباطه، عماد فارس، لانه كذب فقط. طبعا انا لا اقف هنا موقف المدافع عن الضابط وانما اريد اظهار" اخلاقية" هذا الجيش . فبعد نشر قضية عنات كام واوري بلاو من صحيفة "هارتس"  وانكشاف عمق تورط الدولة واذرعها المختلفة في تجاوزات قانونية واخلاقية جدية من اغتيالات ومصادرات اراض فلسطينية وتجاوزات لقرارت المحكمة العليا، التي اصبحت ليس اكثر من "توصية" للدولة، توقعنا على الاقل نفس السيناريو: ابداء تحفظ ولربما بعض الاسف، ووعد بمعاقبة المتورطين، مع اننا نعلم انها دموع تماسيح ووعودات فارغة. ولكن الدوله فاجأتنا  هذه المرة بانها تركت الرسالة، وبشراسة هاجمت حاملها. وكأن لسان حال الدولة يقول "لهون وبس"، ومن منطلق انها لا تستطيع الدفاع عن نفسها هذه المره بوجه الاتهامات التي اثبتها الصحفي بلاو في تقاريره. فأحسن طريقة للدفاع هي الهجوم موهمة نفسها بان الهجوم الشرس سوف "يضيع الطاسه" ويلهي الراي العام عن القضيه الاهم.
سمعنا الكثير عن "لا اخلاقية" عمل كام وبلاو، ولم نسمع اي كلمة من الدولة واجهزتها عن لا اخلاقية ما كشف عنه كام وبلاو. ان سرقة ملفات هي مخالفة وفق المعايير القانونية الاسرائيلية، ولكن ما اهمية هذه المخالفة نسبة للمخالفات الاكبر التي ارتكبتها الدولة نفسها؟
ان تضلل الدوله نفسها، هذا امرمؤسف ولكنه معروف. ولكن الانكى انها تضلل معها شعباً باكمله - شعب تعلم وتعود الا يسأل او يستفسر او يشكك بما تسوقه له دولته. ان جهاز التربية والتعليم هو احد هذه الوسائل المدجِّنة لعقول الناس. فمن ثمار هذه العقلية نتائج استطلاع اجراه مركز "تامي شتاينمتز" لابحاث السلام في جامعة تل ابيب، ومفاده أن اكثر من نصف الاسرائيليين اليهود يعتقدون انه يجب الحد من حرية عمل منظمات حقوق الانسان التي تفضح التصرفات اللاخلاقية للدولة، والحد من حرية الصحافة بشكل عام. وقد كشف الاستطلاع ايضا ان غالبية المستطلعين يؤيدون معاقبة المواطنين الذين يدعون لمقاطعة الدولة والصحفيين الذين ينشرون مواد من الممكن ان تلقي ظلالا قاتمة على مؤسسة "الأمن" الاسرائيلية.
إن نتائج هذا الاستطلاع تكشف ما هو اخطر مما كشف عنه بلاو. انها تكشف الفهم الخاطئ والمشوه لمفهوم الديموقراطية في اسرائيل، ومدى استعداد شرائح عريضة جدا من هذا الشعب ان يعمي نفسه كي لا يرى الحقيقة. الدولة وجزء كبير من مواطنيها لا يريدون ان يروا الحقيقه حتى عندما تقدم لهم على صحن من فضة. ان مفهومهم للديموقراطية يختلف عن المفهوم العام للمبدأ الديموقراطي، وهذا نتيجة مباشرة لسياسة التضليل الحكومية بواسطة أذرعها وعلى رأسها جهازا التعليم والإعلام.
إنه "ابداع" او "براءة اختراع" اسرائيلي جديد اقترح عليهم تسجيله لكي لا يهدر حقهم فيه! وبعد كل ذلك يتفاخرون بكونهم الدولة الديموقراطية الوحيده بالشرق الاوسط! أن لا يعرف الشعب بما يجري بدولته هو امر خطير ولكن ان يعرف ويفضل الا يعرف وان يبقى في سباته فهو الاخطر. ان من مصلحة كل دولة اولا واخيرا ان تحتفظ بمؤسسات حقوق الانسان ، وان تحفظ حرية الصحافة وان تعلم شعبها ان يحترم تعددية الاراء من اجل انقاذ ما تبقى من هامش ديموقراطية الدولة واحلال مجتمع صحي يراقب ويحاسب نفسه ويتطور قدما. ولعل اهم خطوة في هذ السبيل المتنور هو انهاء الاحتلال الذي هو مصدر مغذّ اساسي لفساد هذا المجتمع. من المستحيل ان تنهض دولة بشعبها عندما تضلله وتتحكم بعقله كما تتحكم بمصير وحياة شعب اخر. هذا التضليل هو نوع اخر من الاحتلال، احتلال الدولة لعقلانية مواطنيها واستقلالية فكرهم وارائهم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

يبقى "النّمر" أقوى من النّسيان

featured

"قنبلة" القدومي تنفجر فيه

featured

"دم حراذين"

featured

تحية للمحتجّين/ات في "دافوس"

featured

تسمية مرافق عامة بأسماء شخصيات بارزة

featured

داعش والإسلام: خطّان متوازيان لا يَلتقيان

featured

ألحزب الشيوعي الفلسطيني والانتفاضة القومية في فلسطين 1936-1939

featured

وطني .... وطني ... زدني حبًّا