الفِكر الداعشيّ ليس وَليد اللحظة، وإنِّما هو نِتاج رؤى تكَفيريّة خارجة عن الإسلام ومضمونهِ، خادمة لمصالحٍ إقليميّة واستعماريّة. فالداعشيّون ه نَرجسيّون وساديّون يُعانون من هوس الشَبق – شِدّة الشَهوة الجنسيّة. حيثُ كانوا، فِكراً، لا تنظيمًا، مُتواجدين في الدول العربيّة والإسلاميّة، أمَّا الآن، وبِفَضلِ " الشِتاء العربيّ العاصِف "، أو ما يُسمى بالربيع العربيّ، هُيِأت دفيئة اجتماعيّة وثقافيّة خَصبة ليتفشى هذا الفِكر الإرهابيّ، عُنوةً، بين العرب، خاصةً في بلاد الشام، بلاد الحضارة والثقافة والكرامة.
فعلى مُناضلي " داعِش الأكِفّاء"، الإلمام في الدّين والإنسانيّة أكثر، والابتعاد عن أكل "كَبِد" البشر وقطع الرؤوس بالسيّف تحتَ راية "لا إله إلّا الله". فاللحية المُرتخية الطويلة ليست أداة شرطيّة للظفر بالفردَوسِ – الجنّة. فالله محبة، وهذا هو الجَوهَر الأساس.
والداعِشيّون خارجون عن الإسلام وتعاليمهِ الساميّة والنَّبيلة. سأعرض محوَريّن أساسيّين للتأكيد أن داعِش والإسلام خطان متوازِيان لا يَلتَقيان.
*محوَر العِلم: بين داعِش والإسلام*
أطلّ علينا الداعشيّون وهُم يَمنعونَ تعليم الفيزياء والكيمياء ونصوصٍ أدبيّة وفكريّة وفَلسفيّة، تحت إدّعاء " التناقُض مع رسالة الإسلام ". كما لم يأبه هؤلاء الداعشيّون بتحطيم أضرحة الأنبياء والمعالِم الأثريّة التاريخيّة، كضريح النَّبي دانيال في العراق وقرية معلولا الأثريّة في سوريّا والمقامات الاسلامية. أمَّا الإسلام فقد جاء الينا بآياتٍ تحفيزيّة للعلمِ والمعرفة والثقافة. فمثلًا، ورَدَ في سورة طه "وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا". كما أُنزِلَ أيضًا في سورة المُجادلة "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ". ولا يُمكن العَرج عن سورة العَلَق الّتي تَضَمّنَت آية "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ".
هذا التناقُض الواضِح بين تعاليم داعِش ورسالة الإسلام بكلِّ مقاسات العِلمِ والمعرفة، يُثبِت، دون تأتأة، أنَّ داعِش والإسلام خطّان مُتوازيان لا يَلتَقيان، حتى لَو إرتَدَى الداعشيّون عباءة الإسلام.
*محوَر حريّة الفكر والإعتقاد: بين داعِش والإسلام*
تمتازُ داعِش بالانتقائيّة المُطلقة والإستعلاء العقائدي المُفرِط، وكأنهم وكلاء الله في الأرض. فالداعشيّون، فِكرًا ومُمارسةً، ينبذون مفاهيم حريّة الفكر والاعتقاد ولا يوّلون مِقدارًا للمنظور التعدّدي الطائفي والدّيني القائِم في المجتمعات العربيّة، خاصةً في سوريّا والعراق، مَهد الحضارة واختلاف الأطياف بكافة المستويات. فمشاهد الذَّبح للأقليات، الّتي تكاد تنقَرِض أصلًا، كالإيزيديّن والصابئة في العراق، تعلو في المشاهد الإخباريّة الأولى يوميًّا. كما لم يَسلم حتى المؤمنين من حِدّة سيف الداعشيّين، كالمسيحيّين والمسلمين بمختلف طوائفهم. بالمُقابل، يمتاز الإسلام، دينًا وثقافةً، بمفاهيم حريّة الفكر والإعتقاد. فمثلًا، ورَدَ في سورة البقرة "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". كما أُنزِلَ أيضًا في سورة الكهف "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ". ولا يُمكن التغاضي أيضًا عن ما ورَد في سورة البقرة الّتي تَضَمّنَت أية "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئيّين مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ". علاوةً عن ذلك، ورَدَ في سورة هود "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ".
هذه الآيات، وغيرها الكثير الكثير، تلغي الشَك باليقين، وتُثبِت بأن الإسلام يتضمن حُريّة الفكر والإعتقاد. بينما الداعشيّون، فكرًا وممارسةً، لا يتماشون مع الكثير الكثير من النصوص القرآنيّة الّتي تدعو إلى حريّة الفكر والإعتقاد. فإنَّ هذا التناقض الواضح بين رؤى الداعشيّين ومفاهيم الإسلام بمضمون حريّة الفكر والإعتقاد، يُثبت مُجدّدًا، أنَّ داعِش والإسلام خطان مُتوازيان لا يَلتقيان بتاتًا.
*ما بعدَ المَحوريّن: داعِش وخِتان البنات وقلوبٌ تُمضَغ*
أطلّت علينا داعِش بجهاد النكاح وبتشويه الأعضاء التناسُليّة عند الإناث – خِتان البنات. وبادرت لإقامة سوق للمُتاجرة بالنساء، كما لم يَتردّد الداعشيّون أيضًا بالمُتاجرة بأطفالٍ أحلامهم لا تتعدّى قطعة حلوى أو اللعب "بالبنانير" في حواري حاراتهم الضيّقة. ولا يُمكن سلبَ ذلك المشهد من الذاكرة عندما أطلَّ علينا داعشيّ يداه مُلطخة بالدماء ويمضغ قلبً أو كبدَ رجلٍ. فالإسلام من داعِش بريء، وهناك الكثير من المحاوِر الّتي لم أتطرق إليّها تؤكد أن داعِش والإسلام خطان مُتوازيان لا يَلتقيان.
*وأخيرًا، رسالة قصيرة إلى مسيحيّي الشرق*
على مسيحيّي الشّرق عدم التَعويل على الغرب "المسيحي" لانتشالهم من محنتِهِم ومن إفرازات الداعشيّين الساديّين، عُشّاق الجِنس والتَرنُّح فوق دماء وأشلاء الأبرياء. وإنَّما عليهم الإلتِئام والإلتِحام مع الشُّرفاء من شعوبهم الرَّافضين لانتهاكات الشياطين الجُدد، داعِش. فالغرب، هو مسيحيّ ظاهريّ، واستعماريّ المَضمون والرؤى والغرائِز. وأمَّا مسيحيّو الشرق، من أقصاه إلى أقصاه، هُم المسيحيّون الأصلانيّون، خاصةً العرب الغساسنة منهم (أهل الموصل ومنطقة سِنجار في العراق). فلا مُدافعَ أقدَرَ منهم، مِنَّا، على الحفاظ على رسالة الناصِريّ الأصيل، المسيح بنُ مريم، عليهُما السّلام. ولا يُمكنُ إستنثاء أو إقصاء المسلمين المُعتدلين، وهُم كُثُر، حاملو تعاليم القرآن وأحاديث النبيّ محمّد، من خط الدفاع والمواجهة مع أبناء شعبهم المسيحيّين ضدَّ الداعشيّين. فلا مكان للغرب المُستعمِر بيننا، كما لا مكان للمُتأسلمين بيننا أيضاً.
(طالب لقب ثانٍ بجامعة حيفا وعضو جبهة الناصرة)
