الشابة الفلسطينية الجريئة والمحترمة شهد أبو سلامة
قضية التحرش الجنسي من القضايا الاجتماعية التي تطفو على سطح الاعلام بكثرة حتى أصبحت مادة دسمة للعناوين البراقة المضيئة بالوان الجذب والانتباه والحوار المستفيض بالتفاصيل الذي قد يصل الى احمرار الخدود وعرق الخجل، وغالبا دخان هذه القضايا يكون مستهجنا وبعيدا عن التصور والواقع خاصة اذا كان في قلب الحدث شخصية معروفة.
رغم الاحكام القضائية العالية التي تفرض على المتحرش، والفضائح الاعلامية التي تركز على المتحرش بصورة تدعو مجتمعه الى نبذه او الحذر منه، الا أن هذه القضية ما زالت موجودة يوميا والظاهر انها لا تنتهي ما دام هناك ذكر وانثى وذهنية الكبريت والبنزين.
بعيدا عن المجتمعات الغربية - مع ان التحرش الجنسي لا يتجزأ حسب المجتمعات لأنه اهانة للمرأة وحياتها وجسدها وتفكيرها - الا أن التحرش في المجتمعات العربية له فعل الصدمة والهول وعدم التصديق والتأثر الجنوني، و كتب الكثير عن التحرش الجنسي في المجتمعات العربية، وهناك دراسات عميقة وواسعة تدور حول التحرش الجنسي ودور التربية والكبت والانظمة السياسية والحالات الاقتصادية والامية والفقر الخ في ارتفاع نسبة هذه الظاهرة المقلقة، وقد شكل التحرش الجنسي في الدول العربية ارتفاعا ملحوظا خاصة في مصر في السنوات الأخيرة فقد تغلغلت هذه الظاهرة وسببت قلقا لدى السياسيين وعلماء الاجتماع والنساء وشرائح المجتمع المصري كافة الذي وجد نفسه داخل مستنقعات التحرش حتى ميادين الحرية لم تسلم من هذه التصرفات، وكان التأكيد على أن الفقر والاوضاع السياسية لهما الحضور القوي في انتشار هذه الظاهرة المخجلة.
كتب أيضا عن دور المرأة أو ضحية التحرش التي لا تدافع عن حقوقها وتسكت وتبقى رهينة لقبضة المتحرش خائفة من التهديد والوعيد والمجتمع الذي سيلقي التهمة على عاتقها، ويكون الصمت عاملا قويا لاستمرار المتحرش في عمله وتهديد باقي النساء، فالسكوت يبيح له المضي والتمادي في عبثه فما دام العقاب بعيدًا فهو في مأمن.
خلال الندوات التثقيفية الخاصة بالفتيات يكون التركيز على قوة المرأة وقدرتها على مواجهة الرجل الذي يتحرش بها، وليس فقط بالقوة الجسدية أي ضربه، لكن القدرة على التركيز والمواجهة الكلامية وايقافه عند حده وعدم اخفاء الموضوع عن عائلتها، حيث يجب ان يكون هناك التفهم الكامل من قبل عائلة الفتاة والمجتمع للمأزق الذي تعرضت له ابنتهم، لأنه غالبا ما يتم لوم الفتاة كأنها هي السبب في اغواء واغراء الرجل وتشعر العائلة بالحرج لدرجة العار وتطالب الفتاة بالصمت خوفا من ثرثرة المجتمع.
لذلك كانت الدعوة دائما يجب تعليم المرأة مبادئ القتال لأن الظروف تستدعي أن تكون على يقظة وشجاعة. ويجب أن تملك ما يسمى القوة الهادئة.
دارت هذه المقدمة في رأسي عندما رأيت الشابة الفلسطينية "شهد أبو سلامة" الفتاة الغزية التي كانت تقف في المعبر البري حيث كانت تستعد لدخول الجانب المصري كي تسافر الى تركيا لدراسة الاعلام، قامت الشابة شهد ابو سلامة بضرب الشاب الذي حاول التحرش بها، صفعته على وجهه ولم تهتم للجموع التي شاهدت الصفعة، فهي رفضت أن تمنح هذا الشاب العابث فرصة للاستمتاع بعمله الدنيء، هذه الفتاة علمت الرجال درسا ان المرأة لم تعد تخاف، فهي قوية وقادرة أن تأخذ ثأرها بيدها. وقد اظهر الشريط صورة يد الفتاة التي صفعته ثم هجوم أحد رجال الشرطة على الشاب وضربه، ولم يعرف أحد اسم الفتاة.
وبشجاعة اعترفت الشابة شهد ابو سلامة على صفحتها على موقع الفيسبوك انها هي التي ظهرت في الشريط المصور وهي تعترف انها دافعت عن نفسها، وطالبت النساء بعدم الصمت واعطاء المجال لهؤلاء الرجال باقتناص الفرص والعبث بالنساء، وطالبت باحترام حقوق المرأة وقالت عند اللزوم أنا اشد من 100 رجل، وآن الاوان ان تتحروا وتحترموا انسانية المرأة.
الحدث قد يكون عاديا وامرا طبيعيا يحدث مع أي امرأة حيث تعتبره موقفا عابرا، لكن الصورة أو الرسالة التي بثتها " شهد" على الملأ ارادت بها تحجيم هذه الظاهرة والقول لهؤلاء العابثين ان المرأة قوية تستطيع الدفاع عن نفسها وايضا أنتم مراقبون.
