التاريخ لا يعيد نفسه، غير أن المراحل المتعاقبة قد تحمل سمات مشتركة. والمرحلة التي تعبرها البشرية الآن هي مرحلة ما بعد فشل التجربة الأولى لتأسيس نظام اشتراكي يحلّ محلّ النظام الرأسمالي ويتفوّق عليه. وفي هذه المرحلة كثيرٌ من ما يُذكّر بالمرحلة التي أعقبت فشل الثورة الفرنسية، أي فشل التجربة الأوروبية الأولى لتأسيس نظام رأسمالي يحلّ محلّ النظام الإقطاعي ويتفوّق عليه.
ففي الحالتين، حلّت بعد الفشل فترة قاسية الوقع. استشرست الأطراف التي هزمتها الثورة الاشتراكية قبل فشلها، كما استشرست الأطراف التي سبق ان هزمتها الثورة الرأسمالية. وقد يجدر أن نتذكر كيف عاد آل بوربون إلى حكم فرنسا، وكيف مكّن بونابرت الثالث زعران باريس من التسلّط على البلد، وكيف نشأ التحالف الرجعي الأقوى في تاريخ أوروبا وفرض أثقاله على الجميع. بكلمات أقل، يجدر أن نتذكر كيف عادت حليمة الإقطاعية إلى عاداتها القديمة وأضافت إليها ما هو أسوأ. ومع تذكر هذا الذي صار ماضيًا، قد يجدر أن نتمعن في الحاضر، وكيف عادت حليمة الرأسمالية إلى عاداتها القديمة وأضافت إليها ما هو أسوأ.
لكن، لأن انتصار الرأسمالية لم يكن كاملا، فإن الأطراف التي حققت هذا الانتصار لم تصر أقوى كثيرًا مما كانت عليه قبله. والشعوب التي اتسعت خبراتها، والتي رحّبت بالدعوة إلى تصويب المسار الاشتراكي، لم تصر متطامنة إزاء توحّش الرأسمالية. اختلطت المواقع وتباينت، كما اختلطت النتائج وتباينت، ولم يمض وقت طويل حتى برزت التحركات المناهضة للتوحش الرأسمالي، برزت في بلدان الرأسمالية الكبيرة ذاتها، وفي البلدان الأخرى.
منطقتنا العربية تُقدم في هذا المجال أنموذجًا نشهد تطوراته منذ غياب السلطات الاشتراكية في دول شرق أوروبا: تراجعٌ عن المنجزات التقدمية يقابله اشتداد التحرك ضدّ المتراجعين. وتراجعٌ في القدرة على مواجهة النهب الاستعماري لثروات المنطقة يقابله اشتداد الحراك ضد هذا النهب بالذات. وتراجعٌ في القدرة على مواجهة العدوانية الإسرائيلية يقابله اشتداد التصميم على وضع حدّ لها. وتراجعٌ في القدرة على تحقيق تنمية اقتصادية فعالة، التراجع الذي استشرى معه الفساد والقمع، يقابله اشتداد الحراك الشعبي للتخلص من الأنظمة المحلية التي تُمارس هذا الفساد وهذا القمع.
في الغضون، اشتدّت تبعية الفئات العربية الحاكمة للدول التي شدّدت سعيها لإحكام سيطرتها على مقدّرات المنطقة، للولايات المتحدة وحلفائها الأطلسيين. وكذلك اشتد عود القوى الشعبية الطامحة إلى التحرر من الهيمنة الأطلسية، ودخلت هذه القوى في صدامات متواترة مع قوى الاستبداد والتبعية. وهكذا، حتى مع غياب العون الخارجي الذي كان وجود السلطات الاشتراكية الأوروبية يوفره لقوى التقدم العربية، تعاقبت موجات الربيع العربي وأسقطت بداياتها رؤساء ثلاثة أنظمة، اثنان من هذه الأنظمة كانا قد أوغلا في التبعية، والثالث كان قد تحول من مناوءة الولايات المتحدة إلى التطامن إزاءها والسعي إلى استرضائها.
التحرك الديمقراطي فاجأ حكام الولايات المتحدة ودول حلف الأطلسي الأخرى؛ ليس بحدوثه، فحدوثه كان متوقعًا في كلّ وقت، بل بشدّته وسعة الاستجابة الشعبية له؛ وليس بمنجزاته الأولى، بل بالإصرار على الظفر بمنجزات أكثر؛ وليس بما فعله كلّ تحرك في بلده، بل بتأثيره في محيطه. وفي الغضون، اشتدت تبعية الفئات الحاكمة في دول النفط للولايات المتحدة، واشتدت مساعي الولايات المتحدة لوأد التحرك الديمقراطي وإحكام سيطرتها على مقدّرات المنطقة وحماية قوى التبعية من تهديد الديمقراطية لوجودها في الحكم.
إذًا، بالرغم من التراجع، وفي ما يمكن احتسابه بين أشكال ردّ الفعل عليه، اشتد عود القوى الطامحة إلى التحرر من الهيمنة الأميركية ومن وجود الأتباع، ووجدت هذه القوى ذاتها في حالة صدام مع الجانبين، مع أسياد الهيمنة ومع أتباعهم، مع النهب الخارجي ومع الفساد المحلّيّ.
ولأن هذه منطقة يرتبط مستقبل الرأسمالية، في طبعتها الامبريالية المعولمة، بمدى هيمنتها على مصادر الطاقة فيها، فقد شهدنا كيف تخلّت الدول الرأسمالية بلا خجل عن ادعاءاتها الديمقراطية، وكيف بادرت هذه الدول إلى العمل من أجل إجهاض التحرك الديمقراطي في بلاد العرب، وكيف شجّعت دون تستر أشدّ أعداء الديمقراطية وأقساهم يدًا على كل ديمقراطي. فهؤلاء الأعداء، القدماء منهم في الحكم والمستجدون، هم وحدهم المؤهلون في دنيا العرب لتمكين الدول الرأسمالية الكبيرة من الهيمنة، وهم وحدهم العازمون على وأد كل ما هو عصري، الآن، وفي المستقبل، خصوصًا في المستقبل.
المساعي الأميركية لإيلاء المهمة القذرة لأعداء الديمقراطية تُوجب على الديمقراطيين الأصحاح الانتباه إلى هذا التبدل في مجرى الصراع الذي افتتح الربيع العربي جولته الأخيرة: أين يقع الآن مركز الخطر الذي قد يُجهض كل شيء ويعيد المنطقة إلى ما قبل العصور الوسطى؟ وإذا كانت الولايات المتحدة، هذه التي زعمت أنها مؤيدة للربيع العربي، قد جنّدت كل ما هو رجعي ومتخلّف لمواجهة كل ما هو عصري ومتقدم، فهل يجوز لأي ديمقراطي صحيح النسب الاستمرار في الرهان على تدخل هذه الدولة وحلفائها لصالح الطامحين إلى الديمقراطية؟ وما الذي يتوجب على النزهاء الذين أُخذوا بالمزاعم أن يفعلوه حين يتكشف زيف المزاعم؟
هذه الأسئلة موجهة للنزهاء القادرين على رؤية الواقع كما يظهره حضوره العياني، ولا فائدة من توجيهها لغير النزهاء أو للذين يعزّ عليهم أن يُقرّوا بالحاجة إلى تبديل السلوك. ومع الأسئلة همسةٌ في آذان المستعدين للإصغاء: لن يستطيع الشيخ حمد والشيخة موزة والذين على شاكلتهما أن يقلبوا الحقائق إلى الأبد.