ستة عقود ونصف، عاشها المرحوم أبو الزاكي، مع الناس في قريته، دير الاسد، وما جاورها من القرى والمدن العربية: خفيفَ الظل، وحلو المعشر وعضوا بارزا في المجموعة التي ينتمي اليها.
مشوار طويل،من الجهد والعناء،تخلله الكثير من المطبات،والانحناءات سلكه المرحوم طيلة هذه العقود .فنجح في ازالة البعض منها،وفشل في البعض الآخر. ومع هذا كله لم يستسلم للفشل ولم يغير من رأي. آمن فيه، واعتمد عليه.
غير ان الامراض المتباينة الفتاكة، مثل السكر والضغط ومرض الكبد والكلى وغيرها وغيرها،لم تمنحه الفرص لمقاومتها،كي يجتاز المطبات الاخيرة للوصول الى ما كان يرجو ويتمنى. فوقع ولم يستطع الوقوف، ولم تكن له القدرة على التغلب عليها والتخلص منها .
فهبط هبوطا كليا مستسلما لوعده او قدره .
وظل على هذا الحال بين الحياة والموت، حتى توقف الدم في الشرايين، والقلب عن العمل، والمخ عن اداء رسالته، فمات : انك ميت وانهم ميتون . صدق الله العظيم .
ها هو يرحل الرحيل الاخير عن داره، ودور ابنائه وبناته، وعن اصدقائه الذين دللوه، واحبوه وقدروه، خالص الدلال والحب والتقدير. وها هو يرتاح من وعثاء قيادة قطار عائلته التي كان يعشقها، وشديدَ التعصب اليها، ويُدفن في حماه، أي وطنه، حيث خَلق، وترعرع في وطن الآباء والاجداد . ويوارى في الثرى الطاهر، فوق ابيه وجده، والسابقين من افراد العائلة.
نعم، المرحوم، بدأ مشواره الطويل، كما ذكرت، منذ عدة عقود لم يشعر بطولها ولا بعرضها، لانه كان في ربيع العمر، وفي نضارة الشباب .
بنى فلسفته الاجتماعية على الجرأة، والصراحة، وحب خلفه ذكورا واناثا، وحب عائلته، وحب قريته، والاخلاص لاصدقائه، وكلمة الحق ولو على قطع الرأس .
هذه الفلسفة التي توخاها، واختارها من عدة فلسفات، ربما كفرت عنه بعض السلبيات، او محتها من سجلات تاريخه الطويل ان صح هذا التعبير. وقد تكون من اسباب تألقه بين اصحابه، ومعارفه واهل بلده .
ومع انه لم يكن محظوظا بدخول أية مؤسسة تعليمية عليا، او اية دورة تنقله من الحسن الى الاحسن، الا انه: رفيق، وصديق مميز بين خلانه، وله علاقات، وصلات متينه مع شخصيات تُعتبر الرموز في تحمل المسؤولية، سواء الاجتماعية أو العائلية.
ومع انه على هذا الحال من الثقافة المتواضعة، الا انه كان ذكيًا، يدرك الحلول، ويعرف النتائج قبل وقوع الحدث وبعده.
ولا يرى عيبا في استشارة من هم ادرى واعلم منه، في فض الخلافات بين الافراد والجماعات من امثال ابي محمد يحيى محمد علي شيخ العادات والصلحات العشائرية، ليتزود بافكار وقيم هامة، تفيد مجتمعنا، وتشد علاقاتنا الاجتماعية بعضها مع بعض .
أبو الزاكي "محمود محمد طه الاسدي" كان "فلتة" بين ابناء جيله: ما دخل بين اثنين متخاصمين الا وفق بينهما. وما طُلب منه الوساطة بين فئتين متخاصمتين، الا حل كل عُقد الخصام. واذا ما اختلف يوما مع احد أقاربه او رفاقه، كان المبادر الاول في طي الخلاف، والبدء بالسلام وكأن شيئا لم يكن.
نحن في هذه الوقفة المؤلمة، والمحزنة نودع شخصية اجتماعية لا يستهان بها .
نودع رجلا عارك الدهر فلواه وقهره، وتمنى المزيد من الحياة فكان الرد الذي ما بعده رد:
"فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعةُ ولا يستقدمون".
فاليه خالص التقدير والاحترام
والى من بعده، ومن حوله الصبر والعزاء.
وإنا لله وإنا اليه راجعون .
(دير الاسد)
