* امتدادا للسياسة الاستعمارية ازاء الارض سعت سلطات الاحتلال بعد عدوان 1967 الى متابعة مسيرتها العدوانية في نهب الارض في الضفة والقطاع *
وضع الفكر السياسي الصهيوني والاستراتيجية الصهيونية الارض في أولوية اهتماماته. فالارض شكلت جوهر الصراع وجوهر الحرب ومحور الفكر والاستراتيجية الصهيونية، ونلاحظ ان الاعمال الارهابية الدموية التي نفذتها الصهيونية قبل وبعد اقامة اسرائيل كانت من اجل الاستيلاء على الارض.
حينما قررت الصهيونية العالمية تجميع كافة يهود العالم في دولة يهودية "نقية" لم تكن تملك من مقومات الدولة سوى النظريات ولم تكن تملك الارض ولم تستطع تنفيذ وعدها دون توفر الارض والهجرة والاستيطان اليهوديين.
هذه الاطماع الصهيونية ادت الى حروب وتهجير العرب (السكان الاصليين) من ارضهم، وكان الاستيطان و "الصراع الديموغرافي الوجودي" بين العرب واليهود على ارض فلسطين من اولويات الفكر السياسي الصهيوني. وجاء في برنامج الوكالة اليهودية: نستملك الاراضي كملك لليهود وتسجل باسم صندوق راس المال القومي اليهودي وتبقى مسجلة باسمه الى الابد، كما تظل الاملاك ملكا للامة اليهودية غير قابلة للانتقال!
رعنان فايتس، رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية سابقا، اكد ان مخططي الاستيطان اليهودي خلال الستين عاما الماضية عملوا على اساس ان حدود المستقبل للدولة اليهودية يجب ان تعين من خلال انظمة من المستوطنات السكانية تبدأ كنقطة استيطانية وتأخذ بالتوسع كحتمية لاقامة دولة اليهود الكبيرة. (راجعوا: الكتاب الاسود، حول يوم الارض).
أجمع فقهاء الصهيونية للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية على استراتيجية نشطت بموجبها مختلف المنظمات الصهيونية، وخصوصًَا الصندوق القومي اليهودي الذي تأسس عام 1903 والصندوق التأسيسي عام 1920 وغيرها من الصناديق وللأسف، سماسرة الارض من ابناء جلدتنا. فالصهيونية اعتمدت اساليب ارهابية في الاستيلاء على الارض اولها اللجوء الى القوة بواسطة الاحتلال العسكري واغتصاب الارض من اصحابها بالسيطرة العسكرية ولاغراض عسكرية، ثم بالقسر عن طريق مصادرة الاراضي وباساليب ملتوية على يد حكومة الانتداب البريطانية.
منذ ان تبنت الصهيونية مشروع اقامة الوطن "القومي اليهودي" وحددت مكانه في فلسطين، واجهت ثلاث مشاكل استراتيجية لم يكن باستطاعتها تنفيذ مشروعها دون التغلب عليها بشتى الطرق والاساليب المشروعة وغير المشروعة. تلك المشاكل تكمن في الارض وحركة الهجرة والامن، كما أكد الكاتب الفلسطيني معين الزرو. الصهيونية تغلبت على تلك المشاكل واستطاعت الاستيلاء على كافة الاراضي الفلسطينية ومنها ما كان مقررًا لدولة فلسطين بموجب قرار التقسيم 181.
امتدادا لتلك السياسة الاستعمارية ازاء الارض سعت سلطات الاحتلال بعد عدوان 1967 الى متابعة مسيرتها العدوانية في نهب الارض في الضفة والقطاع. هذه المرة اتبعت اسلوبا مكملا للاساليب السابقة مثل تزوير كواشين الطابو وسرقة الملكية ونقلها الى جهات اسرائيلية صهيونية اخرى. وهكذا شهدت حكومات اسرائيل المتعاقبة موجة هستيريا سلب ونهب واستيطان الاراضي الفلسطينية. بين اساليب التزوير واشدها شيوعا في تزوير السجلات والوثائق الخاصة بالعرب التي اتبعها السماسرة في نقل الملكية الى التجار اليهود كان: استغلال حالات الوفاة للتوقيع على اوراق مزورة يتم ختمها من قبل المخاتير المتعاونين مع الحكم العسكري ظنا من اهل المتوفى انها مجرد شهادة وفاة؛ اتباع اسلوب الحصول على التواقيع تصوير الوثائق وفق اسلوب التزوير المعروف بالفوتومونتاج؛ تزوير التفويضات (الوكالات) عن طريق اقتياد اصحاب الاراضي الى المحكمة العسكرية واجبارهم على التوقيع على وكالات رسمية ونقل الملكية الى تجار يهود او شركات او سماسرة.
الصهيونية ركزت جل اهتمامها على القدس وقامت بنشاطات للاستيلاء عليها، فأثارت النعرات الدينية من اجل الحصول على دعم يهود العالم لاهمية القدس الروحية واستغلت وجود الحائط الغربي (المبكى) فيها واتخذته ذريعة دعائية متحالفة مع الاستعمار للسيطرة على القدس وقمع الارادة العربية والاسلامية بالقوة العسكرية. هنا، في اطار تركيز نشاطها في القدس عمدت الصهيونية الى تجميع المؤسسات اليهودية في القدس وذلك عن طريق بناء الاسس التي تساعد في السيطرة على المدينة.
عبّر دافيد بن غوريون عن مطامع الصهيونية في القدس حين رد على طلب الامم المتحدة بشأن تدويل القدس قائلا ان القدس الصهيونية هي جزء عضوي وغير منفصل عن تاريخ وديانة وروح الشعب اليهودي لان القدس هي القلب الذاتي لدولة اسرائيل، وعلاقتنا مع القدس لا تقل ابدا عن عمق العلاقة التي كانت موجودة ايام نبوخذ نصر لملانيوس، اننا نعلن ان اسرائيل لن تتخلى عن القدس تماما كما لم نتخل خلال آلاف السنين عن ايمانها وهويتها الوطنية واملها بالعودة للقدس وصهيون. (راجعوا: تاريخ الصهيونية ممارسة وتطبيقا).
وفي اعقاب سقوط القدس عام 1967 قال بن غوريون : لا معنى لاسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل.. وتكريسا لفكرة ان القدس عاصمة الشعب اليهودي انطلق الصهاينة في اكبر واوسع عملية تزوير وقلب الحقائق وبدأوا برسم صورة القدس التي يبغونها وهدفت الى تغيير الحقائق التاريخية والديموغرافية والانسانية.
القدس جزء اساسي من قضية فلسطين ويصعب التفكير بامكان الوصول الى تسوية بشأنها بدون تسوية مسألة القدس وتحرير الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 حدود الدولة الفلسطينية العتيدة ورد الحقوق الى اصحابها. ان الفكر السياسي الصهيوني حول الارض والقدس مبني اساسا على الاستيلاء بالقوة على اراضي العرب الفلسطينيين. وبرأيي انه لن يوضَع حد لذلك الفكر الاستعماري العنصري الا عن طريق توازن القوى العالمية، وربما ان استحقاق ايلول سيكون خاضعا لتوازن القوى لمواجهة الفكر السياسي الصهيوني ولأطماعه الاستعمارية.
