يشرد ذهني بلحظات الهدوء، وأطوف بنظري خارج سور عكّا، فأسافر عبر البحر واتعدى حدود الأفق لأزور أمريكا مرّة جديدة.. وينتهي وقت الصمت فأتذكر سؤالًا جديدا حول الامبراطوريّة الرابضة في أقصى الغرب. بقينا على هذه الحالة ساعات نتبادل الأحاديث ونشرب الجعة في احد المطاعم المطلة على البحر أنا وصديقي جورج (شاب فلسطيني عاش فترة طويلة في أمريكا).
مع كل نسمة بحرٍ ورشفة جعة وسؤال كان يزداد سحري بالعم سام، فتارة أعجب بكمية عروض العمل الموجودة هناك، وتارة اخرى بمستوى التعليم الأكاديمي، ثم أُبهر بالأبحاث وبالمختبرات وبالتجارب التي لا يمكن لأي مكانٍ آخر في العالم أن يوفّرَ لطلّابه ولعلمائه تجارب ومختبرات وابحاثا بجودتها.
بدأ جورج يخطط.. هو يخطط وأنا أتلقى أفكارا لا أعرف إذا كانت مفعمة بتأثير الكحول؛ أن أتعلم ببوسطن مثلًا، أو أنهي لقبي الأول هنا وأدرس من اجل لقبٍ آخر في ستانفورد وأعمل كوكيل لإحدى الشركات بجانب تعلمي الجامعي.. آه كم كنت سعيدًا بالتخطيط.
لم تنتهِ القصة..
فبعد أسبوع آخر.. جلسات مع نفسي وفناجين قهوة وأحلام يقظةٍ، وبعد ساعات من الإبحار على الشبكة وارسال رسائل استفسار وأسئلة حول الموضوع عن شروط القبول للجامعات وعن امكانية الحصول على فيزا لطالب. ناهيك عن تفكيري المستمر بوطني برفاقي وهل إذا غادرت سأغرى بالغرب ولمن سأترك بلادي؟ ها انا انهي قصتي بفقرةٍ أولى من مقال جديد.
إليكم:
"من مراقبتي المتواضعه للعالم من حولي خلال خُمس قرن هي سنين عمري حتّى اليوم، أظن أن طائرات الركاب والرحلات الجويّة هي احد اهم الاختراعات في القرن الماضي ان لم تكن الاهم على الاطلاق، لقد قصّرت المسافات بين القارّات والدول. أوروبا صارت جارتنا وأصبحنا قريبين من كلّ الشرق وبأقل من نهار نصل أبعد قطرٍ بأمريكا، لكن للأسف فان الطيران قصّر فقط زمن السفر - والزمن الحقيقي بيني وبين أمريكا هو سنين طويلة- ولم يقصّره عليّ سوى مفعول الجعة.
فهل يا ترى يشرب شبابنا المهاجرون كحولا قبل موعد الإقلاع؟"
(طالب في التخنيون)
