بوحي "الانقلاب" في بداية مسرحية "يعيش"، يحيّي فيلمون وهبي الحاضرين بتحية "نهاركم انقلاب". أما الـ"غشاشيم"، الفرقة العبرية اللامعة في السخرية السياسية الاجتماعية، فقد اقترحت في أحد عروضها أن يتم تعيين وزير السياحة وزيرا للحرب، وردًّا على الاستغراب قال صاحب الاقتراح: "في عهد وزير السياحة انقطعت السياحة، فلعل الحرب تنقطع في عهده كوزير حرب".
وعلى شاكلة هذا المنطق الألمعي نقول، طول عمرنا نردد نهاركم سعيد، وبالضبط هنا لا توجد سعادة ولا بطيخ، فلعل قولنا نهاركم شر أو نهاركم عنف، أي مقلوب على مقلوب، يتراجع بعض الشر.. تعالوا "نَنحس" الشر مثلما نَحسنا الخير، من كثرة ترديدنا كلمة "الخير"، في الصباح والمساء، فلعل العنف يزهق أيضًا.
راودتني هذه الأفكار وأنا أشهد المهرجانات الملونة والراقصة لمكافحة العنف، حيث تجد في كل خطاب، من الخطب العصماء التي تُلقى هناك، كمية من العنف توازي العنف في أية طوشة "متوسطة". وفيما بعد يذهب المشاركون إلى بيوتهم راضين لأدائهم قسطهم في المجهود الحربي. ومن يبقى لديه بعض طاقة، فيشارك، من قفا الايد، في حوارات عنيفة على هامش مظاهرات اللاعنف.
مواجهة العنف لا تتم بالفزعات، التي هي شكل من أشكال العنف. وقبل مواجهة العدو، علينا التعرف عليه أولاً، لئلا نحارب طواحين الهواء. لنقرر ما هو العنف، ولنبحث حجم هذه الظاهرة، والمصادر التي تنتجها، ومن هي شرائح الأعمار الأكثر إنتاجًا للعنف، وأن نبحث السلبي في خطابنا السياسي الاجتماعي الذي على هامشه تتجمع محفزات العنف. وأن نبحث عن تلك القيم التي تسربت حتى أصبحت هي القيم السائدة... وغير ذلك الكثير، وبعد وضع الأسئلة الصعبة، نعمل على صياغة الأجوبة. وبهذا نكون قد قطعنا نصف الطريق وذلك لا يقل أهمية عن نصف الطريق الثاني.
وبالطبع في هذه العجالة لا مكان لبحث مستفيض ولكن هنالك إشارات تدل على الاتجاه العام. هنالك مظاهر قد لا تدخل في باب تعريف العنف، ولكنها العنف بذاته، فالعنف هو قيمة جاءت بدل قيمة أخرى؛ فعندما يرمي طفل، في عمر الورد، كيس البامبا، في الشارع، ويقوم أبوه البطل، من نافذة السيارة، بإلقاء علبة السجائر الفارغة، فهذه الأفعال لا تقع في باب النظافة؛ بالأساس تقع في باب العنف، من حيث تبني قيمة الاعتداء على الصالح العام، بدل قيمة احترام الشأن العام.
وحين تقف سيارة في وسط الشارع، يريد سائقها أن "ينهي شغلة" مع صديقه، ولا يهمّه إذا كان قد تسبب في تعطيل حركة السير، فهذا التصرف بالضبط، وجه من أوجه العنف، حين يتم الاعتداء على وقت الناس وأعصابها.
وعندما حارب جوليانو العنف في نيويورك انتبه للجنحة الصغيرة قبل الكبيرة، لأن السكوت عن الصغيرة، يعني في أغلب الأحيان وصول مقترفها للجنحة الكبيرة. وفي حالتنا هنالك مئات الإشارات الصغيرة، هي على حافة العنف والتساهل معها سيقود لعنف مدمر: الموسيقى المنبعثة من السيارات، الخيول التي تتجول في شوارعنا، بهلوانيات "التراكتورونات"..
والأهم من هذا كله هو ان نجد في المجتمع من هو مستعد للدفاع عن الصالح العام، فالدفاع عن الصالح العام هو شأن كل فرد من أفراد المجتمع؛ بأن تقول لمن يلقي الورقة الصغيرة في الشارع أن هذا التصرف غير ملائم، أن تقول للفارس على "الزرقاء" في شوارع البلدة، هذا ليس المكان المناسب.
عندما يصبح كل مواطن هو ناطور الصالح العام، آنذاك سيعرف المعتدي على الصالح العام، وهم كثر، أن هنالك من يرده بالزجر والتوبيخ وحتى رفع الشكوى، بالعلن، ضده. أما عندما تصبح المقثاة بدون ناطور، فستُنتهك بقوة و.. بوقاحة. وهذا هو حال الصالح العام اليوم، مقثاة بدون ناطور.. والعنف ماخذ راحته.
