وحيداً ركبت سيارتي قاصداً قاعة المؤتمرات في حيفا لأشارك في احتفالية الحزب الشيوعي الإسرائيلي بالذكرى التسعين لبداية العمل الشيوعي في هذه البلاد وعلى هذه الأرض.
إلحاح بعض الرفاق والأصدقاء ورغبة مني بزيارة البيت الأول، حيث فيه تعلمتُ وكثيرون من أبناء جيلي، أن أحب شعبي وأن لا أسكت عن ظلم، دفعتني أن أشارك المحتفين ولو من أجل ذاكرة تأهبت للقاء ماضيها وبعضٍ ممن ومما كوَّنها.
انطلقتُ من ضاحية في القدس ومررت بالقرب من شارع هبلماح (1)، القريب من بناية مسرح المدينة. فجأة أعادتني الذاكرة إلى مساء يوم خريفي مقدسي لثلاثة عقود خلت.
على باب الشقة من يدق بدقات شقية مداعبة. لا أذكر من توجه ليفتح الباب ويستقبل الزائر. كنا في البيت ثلاثة: أنا والصديق الشريك في استئجار البيت وغيره جمال زحالقة، وثالثنا، ثالثة الأثافي، الصديق العزيز نبيل الصالح.
لا يمكن أن تخطئ صوته. رناته تملأ فضاء البيت بحة وفوضى وفرح. دخل وجلس على كنبة في الصالون، الذي يليق بطالبين جامعيين، لم يحفلا بنعم إلا ما يكفي لتمرير نهار والعودة بسلامة من مجابهة أوباش اليمين الذي قاده في حينه من يقود الدولة اليوم أمثال تساحي هنجبي، يسرائيل كاتس وإيفيت ليبرمان وآخرين.
تحلقنا حول طاولة، توسطت مقاعد كلما قمنا عنها بسلامة أعجبنا بصمودها. وَضعَ عليها بعضاً من الشكولاته التي أحضرها، ربما لأنه كان يعلم أنها من الكماليات المشتهاة لدينا، وربما لتكون رفيقة وحيدة لما تواجد في البيت من قليل يفرح قلب الإنسان.
كنا في منتهى السعادة والفرح، كما في كل مرة زارنا، فالبيت قريب من مبنى الكنيست وكلما وجد فرصة جاءنا ليرتاح، لأنه مقت الاستراحة في فنادق المدينة وأجوائها.
كانت الأوقات تمضي معه بمتعة وعفوية. وضع يده في جيب جاكيته وأخرج شريطاً وطلب أن يسمعنا جديد فرقة العاشقين الفلسطينية. كانت قصيدته الجميلة "سرحان والماسورة" التي لحنها للفرقة الملحن حسين نازك.
أدخلنا الشريط وضغطنا على الجهاز القديم المتواضع. بدأنا نسمع، كان منتشيا ً وكنا أكثر. بعد سماع بضعة مقاطع من الأغنية أوقف الجهاز وحدثنا عن هذه القصيدة وعن سرحان العلي الذي من عرب صقر.
كانت المغناة جميلة والقصيد أجمل: "يقظا ً مثل حمار الوحش كان/ وككلب الصيد ملفوفاً خفيف/ وشجاعاً مثل موج البحر كان/ ومخيفاًً مثلما النمر مخيف".
صدح وتوقف للحظة وعلى شفاهنا تسمَّرت بسمة، كتلك التي تكون جذورها بين القلب والمعدة، لا تتدفق، لأنها هناك عميقاً توجع القلب وتوقد العقل، فيتملكك فرح مغاير تتمنى أن يدوم ويبقى.. إنه الطرب. أكمل القصيدة وكان ليلٌ وكان صباح وكان يمين وكان كفاح وكان طريق وظلَّ طريق.
ساعة ونصف مرت بمتعة وعفوية، تماماً كما كان يمضي الوقت في حضرته. مع بقية نشوى وذكرى وصلتُ إلى قاعة الاحتفال، صبايا وشباب بأثواب بيضاء وربطات عنق حمراء يستقبلون الوافدين وبعضهم يفرغ عافية وغضب الشباب على طبول لا تعرف إلا الصراخ تعبيراً. مئات من كل فئات الأجيال تملأ بهو القاعة الفسيح. الجميع في حالة حركة تمنعك من التركيز، فالكل يطرح السلام ويمد الأيادي. عناقات هنا وهناك وبلحظات تمتصك هذه الفوضى لتصبح هدفاً ومستهدِفاً.
الرفاق يعبرون عن ارتياحهم الأولي، فآلاف الوافدين هم البرهان والحجة لمن تربص من أعداء وحساد راهنوا على حضور هزيل ليفخروا بأن "عرسهم" كان أكبر.
القاعة الكبرى ملأى بمن تقدم به العمر وكان شاهداًً على أول الطريق وآخرين، أعتقد، أن هذا هو عُمّادهم الأول، يغادرونه وقرع تلك الطبول وخفقان الرايات الحمراء ستبقى مهاميزهم وبدايات مسيرتهم على طريق شاب عليه من سبقهم وسيظل طويلا ً طويل.
المنصة مزينة بشعارات تدعو إلى السلام العادل وتشجب العنصرية والفاشية في الدولة كما في كل مكان. خلفية اليافطات الكبيرة حمراء وحمراء كانت جميع الأعلام المرفوعة على المنصة وفي القاعة. توالى الخطباء ومع هدير الطبول علت هتافات أبناء الشبيبة الشيوعية يكررون جواب العارف كلما سألهم الخطيب "من نحن؟" فهم أبناء الشبيبة الشيوعية. حماس وإصرار لا غنى عنهما، فبمثل هذه الحماسة توطّد الانتماءات، لا سيما في جيل البدايات.
أيام عصيبة تمر على منطقتنا وعلينا في إسرائيل. القضية الفلسطينية تراوح في مرحلة خطيرة مصيرية. الوضع السياسي في إسرائيل يتردّى والمجتمع الإسرائيلي يتغير، للأسوأ طبعاً. المنطقة الشرق أوسطية تغلي، تحترق وتحرق، فمن العراق إلى إيران إلى اليمن ولبنان وفي كل دولة تقريباً تفاعلات وإشكالات. الخطباء الضيوف تكلموا بما تقتضيه المناسبة والواقع والكياسة طبعاً.
ربما طقسية المناسبة أو لاعتبارات أجهلها، لم نسمع من سكرتير عام الحزب رؤيا شاملة وواضحة حول الحاضر والأهم حول المستقبل. وربما تغييب قضية اتهام النائب بركة وما يواجهه من اتهامات، عن خطاب سكرتير عام الشبيبة الشيوعية، كان سهواً أو سوء تقدير لهذه القضية وأتمنى، في جميع الأحوال، أن لا يكون ذلك عمداً.
هناك في حيفا قابلت أعزاء أبعدتهم مشاغل الحياة ولم يفرقهم طريق. أما البيت، فعلى جدرانه شهدتُ وغيري قصص الكفاح والفخر لمن بناه وعمره. لكن شيئاً ما في فضائه كان ناقصاً وفي جوه برد حجب عني تلك الراحة والطمأنينة التي لطالما زودني وغيري بهما.
وحيداً عدت إلى القدس حائراً، فروح ذلك اليقظ كانت هناك في حيفا وشجاعته ورفاقه أيضاً، لكن البيت، كما كل بيت، بحاجة إلى صيانة وتجديدِ بناء لما ضعف وتخلخل، ولأجل ذلك، الاتعاظ بمن سبق من بنائين مهره واجب وضرورة، إنما لكل زمن بنّاؤوه، فهؤلاء بنوا ورحلوا وتركوا بيتاً يجب الحفاظ عليه وحمايته فهل لذلك سبيلٌ؟.
وحيدا ً عدت. سرحان مشغول بماسورته وصاحبه يقظ لا ينام وموج البحر كان قاب قوس على يميني. وحيداً قلت: كيف؟.
