مئذنة مانهاتن

single

تندرج الخطوة الأمريكية في تشييد مسجد ومركز ثقافي إسلامي في مانهاتن ضمن المواقف التي تقبل عدة قراءات، لهذا رأى البعض أنها أقرب إلى الحقوق التي تراد بها أباطيل انطلاقًا من التراث الاستشراقي الأمريكي ومن جملة القرائن التي تزامن معها هذا الاقتراح وهي عدم السماح ببناء المآذن في عواصم أوروبية، ومنع ارتداء الحجاب في فرنسا وأخيرًا تدخل ساركوزي في تحديد مواعيد فتح وإغلاق المساجد في فرنسا.
إن المشهد لأول وهلة سيكون حضاريًا وإنسانيًا بامتياز إذا شيد المسجد والمركز الإسلامي قبالة أطلال مركز التجارة العالمي في نيويورك، بحيث يجسد هذا التجاور موقفًا عقلانيًا من الإسلام، يعزل العنف والتطرف عن جوهره المتسامح، لكن هذه القراءة قد لا تخلو من رغائبية وإسقاط سياسي بقدر ما هو أخلاقي. فالخطوات من هذا الطراز حمالة أوجه، خصوصًا بعد أن شهد مسرح ذلك الحدث مظاهرات وشعارات مضادة للإسلام لأعوام عدة، وأوشكت ثقافة الإقصاء أن ترسخ أدبياتها وتقاليدها في أوساط أمريكية لعبت الميديا دورًا كبيرًا في حقنها بما يسمى “الإسلاموفوبيا”.
وإذا كانت المزاعم الليبرالية في الغرب قد بشرت بالتعايش بين العقائد والهويات والحضارات، فإن هذا التبشير لم يظفر بالصدقية الواقعية، إذ سرعان ما قشرت الشمس طلاء السفينة كما يقول الشاعر إليوت. وأطل الاستشراق من بين أطلال مانهاتن بعد أن أعاد شحذ أنيابه، والمسألة أبعد من قرار أو خطوة يناط بهما إصلاح ما أفسده الإعلام المدجج بالكراهية. ولا يمكن تحرير الوعي في أمريكا والغرب بصورة أعم من براثن التراث الاستشراقي بقرارات أو خطابات موسمية، إذ لا بد من مراجعة مناهج دراسية على نحو جذري، لأن العربي والمسلم يقدمان في تلك المناهج بصورة بالغة القسوة والوحشية. ولعلّ ما كتب الراحل إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، وما أعقب من دراسات حول الثقافة والامبريالية يوضح صورة المسلم في تلك الثقافة فهو باختصار، وكما يقول سعيد كاذب ومنافق وعدواني وغادر، وما كان يبث عبر تلك الثقافة والتربويات المصاحبة لها لعدة قرون لا يسهل حذفه بقرار عمراني.
فالمسجد والمركز الإسلامي ليسا مجرد إنجاز في فن العمارة، أو استكمال رمزي لمشهد متحفي في مانهاتن، فنحن لا نزعم بأننا نسبر النوايا أو نرى الباطل هاجعًا بانتظار من يوقظه وراء هذا الحقّ، لكن المواقف لا تؤخذ على عواهنها وبمعزل عن الحيثيات والقرائن التي تحيط بها وتتزامن معها، وإن كان الرئيس أوباما قد غيّر من موقفه إزاء هذا الحدث خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، فهذا دليل آخر على سطوة مناخ محتقن ضد الإسلام.

* شاعر أردني ("الدستور")

قد يهمّكم أيضا..
featured

محاكمات فردية للمجرمين

featured

هل لهؤلاء دين وأي دين يدينون؟ لا دين لهم

featured

"إعادة اكتشاف" أمريكا، والخلاصات!

featured

في ذمة الله ايها القريب والخل الوفي

featured

اللجنة الرباعية المنحازة

featured

ليقلع الخشبة من عينيه اولا !!

featured

غوتيريس يهاجم “حزب الله” من قلب “منظمة الشعوب”!

featured

قبر الشيخ سعد الدين حجازي ودولة شمعون الصدِّيق