بالسوط لا تضرب الآراء

single

منذ الازل وعلى مر العصور الغابرة قرأنا وقرأ غيرنا واناس كثيرون وعرفوا ان السوط يستعمل ويستغل للضرب من قبل الاسياد ضد العبيد في العصور المنصرمة، وقد استغلت بعض الشعوب السوط ايضا لغايات واهداف عديدة ومتنوعة، اما لغرض سيطرة معينة او لبسط هيمنة معينة، او لاذلال هذا او ذاك زمن الثورات الاجتماعية والتحررية لاخمادها او تصفيتها وذلك ابتداء من فجر التاريخ ومرورا بالحكومات والدول والامارات والولايات، وخاصة من قبل هؤلاء المتسلطين القساة الذين لا يعرفون ربهم في كثير من الاحيان، او انهم اصحاب قلوب من جلمود ومن بطش لا يقدر، حتى ان نفرا من الملوك والحكام استعانوا بالجلادين الذين كانوا ينفذون مآرب اوليائهم وحكامهم بفرض النظام الملكي او الدكتاتوري  المستبد، ويمكننا الاستمرار في سرد وقائع من هذا القبيل دونما توقف ولوقت طويل ذلك لكثرتها والتي ذهبت ضحيتها جماعات وجماعات من بني البشر، ليس لذنب ارتكبوه او لخطيئة اقترفوها، وانما يكون ذلك لانهم كانوا يُسمعون رأيهم بصدق وامانة واخلاص، ولم يكن نصيبهم الافصاح والافصاح بشكل واضح وباستمرارية لاسباب تافهة موضوعية بل لانها ربما تكون معاكسة لهذا الفرد او ذاك من المستبدين المتسلطين او لذلك الظالم المستبد.
  واذا فكرنا قليلا لوجدنا ان اجراءات كالتي ذكرت والتي كانت قد اتخذت ضد اناس من نابع الشعور الصحيح ومن منطلق المسؤولية الاكيدة قد وضعت لهؤلاء الناس حدا وكبتوا او قتلوا واخمدت انفاسهم وكان السوط يقف بالمرصاد لهم... وهكذا كانت تسد الحناجر وتنحبس الانفاس نتيجة للضغط وانعدام الامكانيات للوقوف بثبات من وراء اصحاب هذه الآراء، دعمهم وتأييدهم ومساندتهم.
  الا اننا اذا تعمقنا في تفكيرنا هنيهة، لا بد الا ويتضح لنا وبكل وضوح ان اصحاب هذه الآراء قد قضوا امرهم بطرق عدة وفي كثير من الاحيان لا يعرف عنهم احد ولا عن مصيرهم، ولكن علينا الادراك جيدا والتيقن وبكل صدق ان الآراء لا يمكن ان تضرب بالسوط، واذا ضرب اصحابها وأصابهم ما أصابهم من الويلات، فلا يمكن ضرب آرائهم ولا باي شكل من الاشكال، لانها ستبقى حية على مر العصور والدهور حيث ان الرأي الحر والصريح لا يمكن له ان يموت.
  وفي الواقع يجب ان يقال الرأي ايا كان مصدره، وايا كان صاحبه دون ريب او تردد، ودون تخوف او تحسب، لان الصراحة مهما لاقت من معاكسات فلا يمكن ان تتيتم يوما من الايام، ولا يمكن ان يصح في هذه الدنيا الا الصحيح !!! مهما طالت الايام وتبدلت الازمان.
  فمهما كان الرأي مع فلان او ضد علان، بجانب هذا ومغايرا لذاك، ومهما كانت نوعيته يجب ان يقال، نعم يجب ان يقال وبكل جرأة، وبكل مسؤولية، وبدون ريب، لان قول الرأي في مكانه بحد ذاته وعي اجتماعي ورسالة سامية ويعتبر تفهما للواقع وللحياة حتى ولو كان مغايرا لرأي الآخرين.
   وان كان الرأي مغايرا حقا فالطرق للوقوف من ورائه كثيرة ومتعددة ولا حصر لها ابدا، فعلى سبيل المثال صاحب هذا الرأي او ذاك ينبغي عليه دعم رأيه بكل ما أوتي من قوة، ومقارعة الحجة بالحجة واثبات صحة موقفه عن طريق الجدل، الجدل البناء، الجدل من خلال احترام متبادل، الجدل من خلال السماع والاسماع، الجدل ليس فقط من اجل الجدل، وانما الجدل من اجل الحوار الموضوعي والتفهم العميق لموضوع الجدل المنبثق عن رأي معين وبكل روح ديمقراطية اخوية بناءة، وليس ناتجا عن اغراض شخصية ونوايا مبيتة قد تكون بعيدة كل البعد عن الموضوعية.
  خلاصة القول، عليك ايها المرء اينما كنت وكيفما توجهت، ومهما تسنمت من مناصب على الصعيد المحلي، الاقليمي والقطري وفي كل مكان، اياك ان تفكر يوما من الايام ان كنت واعيا حقا بانه يمكن ضرب الآراء بالسوط او كسرها بالقوة لا والف لا... نعم لان هذا امر ينطوي على مخاطر قد تتكدس يوما بعد يوم وقد تسفر عن نتائج لا تحمد عقباها، ومن الافضل ان تسمع الآراء بكل معانيها وتدرس وتناقش وربما تلاقي طريقها الى التنفيذ والاتباع او بالعكس ولكن ليس عن طريق السوط او عن طريق العنف او اللامبالاة او الرفض من اجل الرفض.
  فبارك الله بالمجتمع الذي تسمع فيه الآراء صراحة، وتدرس موضوعيا وتناقش وبالتعاون وبالتفاهم يمكن تنفيذها بشكل جماعي، لان الموضوعية يجب ان تتغلب في احلك الظروف واحلاها من خلال وعي اجتماعي مبني على الديمقراطية الصحيحة وليس على الديمقراطية الاخرى، عندها يمكن ان تتضافر معظم الجهود وربما كلها وتؤدي الى النهوض نحو الافضل بتعاون بناء ونوايا سليمة وبجدية متناهية.
(أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مجموعة المجرمين تدق طبول الحرب

featured

ناصرة الحاضر والماضي والمستقبل

featured

كلمة حق في رجل أبيّ

featured

هل يخطط الحراك الامريكي – الاسرائيلي – العربي النشط لتضميد جراح النكبة الفلسطينية؟