شربنا اليانسون ثمّ ويسكي الحَمام

single


  هاتفني صديقي ورفيقي د. أحمد سعد، رئيس تحرير صحيفة "الإتحاد" يلومني: بِدَّكْ تورّطنا يا رفيق! ويسكي حَمام في حيّ الحسين مرة واحدة!. فقلتُ له: يبدو أنك لم تقرأ المقال. فردّ عليّ: يُقرأ المكتوب من عنوانه.
كان ذلك في شهر شباط عام 2000 بعد عودتي من القاهرة ومشاركتي في معرض الكتاب، ففي تلك الزيارة بدأت صداقتي مع الرجل الطيب الكاتب والناقد والمفكر العربيّ الكبير محمود أمين العالم. ويعود الفضل لهذه العلاقة لصديقنا العزيز المشترك د. مرعي عبد الرحمن المعروف باسم أبو فارس، مدير دائرة العلاقات القومية والدولية في منظمة التحرير الفلسطينية، يومئذ، الذي كان حلقة الوصل بيننا.
في صباح يوم الجمعة 28 كانون الثاني عام 2000 شربتُ القهوة في الفندق المتواضع الذي كنتُ أنزل فيه في مدينة القاهرة وهاتفتُ الأستاذ العالم واتفقنا على أن نلتقي في معرض القاهرة الدولي للكتاب في قاعة 6 أكتوبر الساعة الثانية والنصف ظهرا حيث سيشارك في ندوة موضوعها "ثقافة العولمة". ومنذ ذلك اللقاء توطدت علاقتنا وصرتُ ألتقيه كلما زرتُ القاهرة. وكانت لقاءاتنا المطوّلة والممتعة تتمحور حول قضايا أدبيّة وسياسيّة وفكريّة، وتجري في مكتبه المتواضع في الدور الرابع في 18 شارع ضريح سعد المتفرّع من شارع القصر العيني فيما نحن نشرب اليانسون. و كان الأستاذ العالم محدّثا لبقا عميقا رزينا متواضعا نظيف اللسان. وفي هذا المكتب المتواضع كانت تصدر مجلة "قضايا فكريّة" التي يرئس تحريرها وهي عبارة عن كتاب دوريّ ضخم شعاره "تأصيل العقلانية والديمقراطية والإبداع" وقد صدر منها ما يزيد على عشرين عددا هاما يمكن اعتبار كل عدد منها مرجعا رصينا. و كان هذا المكتب البائس أيضا مقرّ "قضايا فكرية للنشر والتوزيع" التي صدرت عنها كتب عديدة ومنها مجموعتي القصصية "الولد الذي قطف الشمس" والتي كرّمني الأستاذ العالم بكتابة مقدمة لها.
    بدأ محمود أمين العالم مسيرته الأدبية في الأربعينات شاعرا وصدرت له مجموعتان شعريتان، وفي العام 1955 صدر كتابه الفكريّ "في الثقافة المصرية" بالاشتراك مع د. عبد العظيم أنيس فأثار أصداء واسعة في الصحافة والأوساط الأدبية في العالم العربيّ ثمّ توالت كتبه النقديّة والفكريّة مثل: معارك فكريّة، الثقافة والثورة، تأملات في عالم نجيب محفوظ، أربعون عاما في النقد التطبيقيّ، توفيق الحكيم مفكرا وفنانا، ثلاثية الرفض والهزيمة وهي دراسة نقدية لثلاث روايات لصنع الله إبراهيم، الماركسيون المصريون والوحدة العربية، الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر وغيرها.
    عانى محمود أمين العالم الكاتب والمفكر الماركسيّ من الاعتقال ومن السجن في الفترة الناصرية إلا أنّ الرئيس عبد الناصر أطلق سراحه وقرّبه إليه، وأما في فترة السادات فقد اختار المنفى في باريس حيث عمل أستاذا جامعيا.
    في ظهيرة يوم الأحد 30 كانون الثاني 2000 حضرت معه ندوة فكريّة في معرض الكتاب وبعد الندوة ركبنا معا سيارة الكاتبة والباحثة ماجدة رفاعة وهي حفيدة رفاعة الطهطاويّ أحد أركان النهضة في مصر، وفي أثناء السفر أصرّ الأستاذ على دعوتي للغداء وقال: سنذهب إلى حيّ الحسين الشعبيّ حيث هناك مطعمان مشهوران واحد للحوم والثاني للحَمام، فماذا تحبّ أن تأكل؟ قلتُ: قبل عشرة أعوام تناولتُ الغداء في حيّ الحسين مع الصديق الكاتب يوسف القعيد في مطعم "الدّهّان" الذي عمره ألف عام ولكني في هذه المرة أود أن أجرب الحَمام. وصلنا إلى المطعم وجلسنا حول طاولة على رصيف الشارع وطلب الأستاذ العالم من النادل تحضير ثلاث وجبات تحتوي كل واحدة منها على زغلولين أحدهما مشويّ على الفحم والثاني محشوٌّ بالأرز ثمّ قال للنادل: لا تنسَ، ثلاثة ويسكي حمام! فسألته مستغربا: ويسكي في حيّ الحسين؟! فردّ ضاحكا: سنسمع أنا وماجدة رأيك بويسكي الحمام بعد أن تذوقه.
    أحضر النادل الكؤوس وإذا الويسكي حساء من الماء المغليّ الذي سُلِقَ فيه الحَمام قبل حشوه بالأرز.
    رحل صديقي محمود أمين العالم، رحمه الله، في 10 كانون الثاني 2009 (87 عاما) إلى الدار الآخرة، تاركا إرثا ثقافيا وفكريا كبيرا، وشاءت الصدفة أن يموت زميله د. عبد العظيم أنيس بعد أيام قليلة من رحيله وكأنهما كانا على ميعاد في الحياة وفي الممات.

قد يهمّكم أيضا..
featured

أية ناصرة نريد...؟

featured

واقع مخيف يلحق العار بشعبنا ويربك نضالنا

featured

في وداع المناضل الوطني التقدمي خليل سليم أبو جيش

featured

مؤامرة غربية بأيدي عربية

featured

مصر قادرة على تجاوز المِحن.. (1-2)

featured

صرخة عسفاويات

featured

جنوبا وشمالا اجواء حرب

featured

مخطط تآمري على قضية شعبنا