الراحل أبو فتحي. كان مثلا أعلى لرفاقه
انه ليوم حزين جدا في تاريخ الشعب وحزب الشعب. اليوم الذي نودع فيه علما من أعلام فلسطين-- الرفيق المناضل الوطني التقدمي الكبير-- خليل أبو جيش (أبو فتحي). (الذي رحل في الثاني من حزيران الجاري – المحرّر).
يوم دمعت فيه أعين الرفاق وكل الوطنيين على فراق رجل من خيرة الرجال، مناضل خبرته كل ساحات الكفاح الوطني-- العسكرية والسياسية والجماهيرية-- وترك في كل شبر من ارض فلسطين أثرا-- دما وعرقا وحبا وعطاء-- مناضل حمل السلاح لسنين مع الثوار، ليقاتل الانتداب البريطاني وعصابات الصهاينة، من اجل التحرر والاستقلال، ومن بيت دجن مسقط رأسه القلعة الأبية الحمراء كانت البدايات في العام 1940، ليتنقل أبو فتحي ابن العشرين عاما حاملا بارودته محاربا أعداء شعبه حيثما وجدوا، في حيفا ويافا والقدس واللد والرملة ونابلس وجنين وسلفيت والخليل، كان يقتحم الخطوب بقلب شجاع وجرأة قل نظيرها، آمن بالحرية وانطلق ليحارب الاستعمار، ارتوى بحب الوطن وآمن بان الحرية تستوجب دفع الثمن.
ومن حب الوطن ارتقى أكثر فأكثر ليعتنق المبادئ الاشتراكية، ولينضوي تحت راية حزب الشيوعيين الفلسطينيين، وليخوض معهم معارك الدفاع عن مصالح الفقراء والشغيلة من العمال والفلاحين، فأبدع وتميز واخلص للمبادئ، ليسير مع حزبه في الدروب الصعبة، حيث المطاردة والنفي والاقامات الجبرية، إلى أن وقع بأيدي الجلادين في سجن الجفر الصحراوي، وحكم عليه بالمؤبد وب30 عاما فصمد صمودا أسطوريا.. ولم ينحن، وظل طودا شامخا إلى أن خرج من السجن بعد 10 سنين قضاها في العذاب والاضطهاد، تاركا خلفه أسرة فقيرة عانت مرارة الحرمان من الأب في وقت كانت بأمس الحاجة فيه إليه ..
انه مدرسة في الصمود والتحدي.. انه سجل الشرف الذي لابد لكل مناضل أن يتعرف عليه ليكتسب منه شيئا نادرا.. كيف لا وهو الذي شمر عن زنوده منذ اللحظة الأولى للاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، لينطلق مع رفاقه في مهمة تثبيت الشعب على أرضه، والتصدي لعمليات التهجير والهجرة إلى شرقي الأردن.. وليخوض معركة بناء التنظيم الشيوعي في الضفة الغربية، ليصبح التنظيم الفلسطيني الأكثر تماسكا وقدرة على التخطيط والعمل المنظم في مقاومة سياسات وإجراءات الاحتلال.. فوقف مع حزبه سدا منيعا في وجه الاستيطان ومصادرة الأراضي وسماسرة الأرض وروابط القرى العميلة والإدارة المدنية الصهيونية.. وظل أبو فتحي الفارس الذي لا يكل ولا يمل، ولا يتأفف من حمل أية مهمة يسندها إليه حزبه، وكانت أكثر المهام خطورة هي نقل جهاز الحزب من مدينة لأخرى ومن بلدة صغيرة إلى أخرى وهي المهمة التي كان أبو فتحي يتقنها أكثر من غيره، وظل يتولاها إلى أن لم تستطع رجلاه ان تحملاه
أبو فتحي نموذج للمناضل الذي يستحق الاحترام، ويستحق أن ننحني له ونخلد تاريخه ونعلمه للأجيال.. أبو فتحي الذي عايش وعمل مع القادة العظام فؤاد نصار ورشدي شاهين وبشير البرغوثي وسليمان النجاب، وتوفيق زياد وتوفيق طوبي وإميل توما وإميل حبيبي وغيرهم وغيرهم الكثير، فصنع معهم تاريخا مجيدا لحزب الشيوعيين ومكمل طريقه الطبيعي حزب الشعب الفلسطيني.
أبو فتحي الفلاح البسيط ذو العزيمة القوية والإرادة الفولاذية، الجريء الشجاع الذي لم يتلون ولم يهادن، الذي تميز بالصراحة المتناهية .. أبو فتحي الذي أصبح مع الأيام والسنين المثل الأعلى لرفاق حزبه، ومحط احترام وتقدير جماهير شعبه وفصائل العمل الوطني كلها.. أبو فتحي وصل إلى ذلك لأنه كان عفيف النفس نظيف اليد، مستقيما قليل الكلام كثير الأفعال.. أبو فتحي شكل أسطورة لأنه واصل العمل النضالي دون إخفاق حتى وصل منتصف العقد الثامن من عمره، وكعادة الكبار من الثوار الأحرار فقد رفض الاستراحة والتقاعد النضالي، لأنه امن بان المناضل لا يتوقف عن العطاء إلا عندما يموت..
واليوم ارتقى إلى العلى أبو فتحي.. اليوم ترجل الفارس .. اليوم فقد حزبه حزب الشعب الفلسطيني بوفاته واحدا من أهم أعمدته.. لقد كان أبو فتحي هرما من أهرامات الحزب، وزيتونة رومية جذورها ضاربة بعمق الأرض الفلسطينية، وأغصانها وارفة تظلل الحزب والشعب معا.
نودع اليوم الرفيق خليل أبو جيش وعيوننا تدمع، وفي قلوبنا حسرة، إذ لم يعد بإمكاننا أن نراه ثانية، ولم يعد بمقدورنا التمتع بالحديث معه والاستفادة من خبراته التي لا تكفي عشرات الكتب لتدوينها..
فطوبى لك يا رفيق خليل أبو جيش .. لك المجد ولأنجالك من بعدك الفخار.
*عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني
