هناك توجه سلطوي قمعي في الضفة يعدّ انقلابًا أمنيًا تدريجيًا قد يكون الحلقة الثانية من انقلاب غزة
تشهد الجبهة الداخلية الفلسطينية انتكاسات متتالية في لحظة اشتداد الـمخاطر والتدخلات الخارجية. وهذا يأتي على الضد من الـمطلوب. فكان من الـمنطقي تصليب الوضع الداخلي، كوضع نهاية لحالة الانقسام وإنهاء فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وإصلاح الـمؤسسة وتفعيلها ووضعها في خدمة الـمواطن، وتعزيز الحريات الديمقراطية، وكل ذلك من أجل خوض معركة إنهاء الاحتلال.
حالة الانقسام للأسف، باتت أمرًا واقعًا، وأصبح كل طرف يبرر نفسه بوجود أخطاء وانتهاكات الطرف الآخر، من هو الأقل والأكثر قمعًا؟ الأقل والأكثر فسادًا، من يجلب متاعب أكثر أو أقل لشعبه؟ تلك هي الحلقة الشريرة التي تقطع الطريق على تصويب أحوالنا.
ما جرى في قاعة البروتستانت في مدينة رام الله، يوم الأربعاء، كان محاولة منظمة لاغتيال الديمقراطية ومصادرة الحق في التعبير بطريقة غوغائية.
الـمشكلة تتعدى كونها تجاوزًا أو اجتهادًا عابرًا، فقد جرى قمع احتجاج سابق شارك فيه أعضاء لجنة تنفيذية ضد زيارة كوندوليزا رايس إلى رام الله، وقمعت مسيرات الاحتجاج على العدوان الإسرائيلي ضد قطاع غزة، وهناك انتهاكات للديمقراطية وثـّقتها منظمات حقوق الإنسان،
وهذا يؤكد وجود توجه سلطوي قمعي، يحاول فرض سيطرة الأجهزة الأمنية كبديل لـ"فتح" والـمنظمة والحكومة، والأخطر من ذلك أن ذلك التوجه يرتبط بمشروع سياسي آخر. إنهم يصنعون انقلابًا أمنيًا تدريجيًا من طراز جديد. هل هو الحلقة الثانية من انقلاب غزة؟ ما جرى هو نقيض التعدد السياسي والديمقراطية وحرية التعبير، لقد قدم رجال الأمن الـمتخفون (البوليس السري) رسالة خطيرة تقول: لسنا بحاجة لفصائل منظمة التحرير الـمعارضة للـمفاوضات، فإما أن تكون الفصائل في "جيبِنا" وإلاّ فلا مكان لها عندنا.
إن تكميم الأفواه والقمع الغوغائي لحرية التعبير يدوس على: القانون الأساسي ووثيقة الاستقلال، والبرنامج الذي انتخب على أساسه الرئيس محمود عباس وبرنامج الـمنظمة، وبرنامج "فتح"، إنه انتهاك مع سبق الإصرار للتعدد الديمقراطي. إنه قمع جديد يهدد بتفتت جديد، يهدد الديمقراطية وحرية التعبير والتعدد السياسي التاريخي ويعيد إنتاج سلطة قامعة منفصلة عن الشعب.
السكوت على حادثة الأربعاء التي غدرت فيها الديمقراطية، يعني إجازة الانقلاب الأمني الجديد. ولا أقل من التحقيق الجدي بالحادثة الـمخزية وبكل انتهاك للديمقراطية، ومحاسبة الـمدبرين والـمنفذين للقمع، والاعتذار للديمقراطية، وفتح سجال مع الأفكار الفئوية التي تعترف شكلاً بالتعدد لكنها تنتج التفرد والتسلط والقمع. فالذين يقفزون على التحولات الهائلة ويحاولون تثبيت الزمن على لحظة صعودهم، هؤلاء هم الذين يفرطون بالديمقراطية ويتساوقون مع إنتاج القمع.
* كاتب فلسطيني ("الأيام")
