سلكنا منذ البداية طريق الشيوعيين الوطنيين، لا طريق الخنوع والزحف على البطون

single


نشأنا وكبرنا في بروة الجميع، ولم نعرف المسلم من المسيحي والعكس





ليس من باب المجاملة والمداعبة، وليس من باب التزلف والتحبب لشخصية دون غيرها، وإنما من منطلق إلزام الذات في إبراز وكشف ما هو غير بارز ويستحق الكشف عنه كتجربة لا بد من الاستفادة منها، على الصعيد الاجتماعي والإنساني والسياسي والوطني. ان البحث عن المجهول يتطلب النبش في طيات الماضي للكثير من الأفراد والشخصيات التي أعطت بسخاء وقدمت الكثير، وضحت بأحلى واسعد سنوات عمرها من اجل أسمى القيم والمبادئ الإنسانية السامية، في سبيل الكرامة الوطنية والإنسانية ومستقبل المواطن الفلسطيني الملتصق بأرضه ووطنه والمجتمع العربي، وفي هذه الأيام التي ربما نعتبرها حالكة إلى حد ما، يزخر ويفتخر مجتمعنا العربي بوفرة العديد من الشخصيات الاجتماعية والوطنية والإنسانية والمعطاءة في المجالات العلمية والبلدية والإنسانية والاجتماعية والخدماتية وغيرها، والتي قدمت لها المجتمع الكثير طيلة الستين عامًا المنصرمة.
أبو غسان كريم جاد سكس، ابن قرية البروة المهجرة، واحد مواطني قرية جديدة في الجليل الغربي حاليًا، هو عنوان لموضوعنا. فهو من هذه الشخصيات الوطنية العصامية النشيطة والمثابرة سياسيًا والمتفاعلة وطنيًا واجتماعيًا على الساحة المحلية وخارجها قدم الكثير لبلده ومجتمعه عامة، ويستحق الثناء والشكر والعرفان.
احتفل أبو غسان كريم سكس في الثامن من شباط ، بيوبيله السادس والسبعين، لكن قلبه وجُل تفكيره في مثل هذا العمر المتقدم والذي نتمنى له الصحة والعمر المديد، وفي قلبه ووجدانه آثار غصة وبقايا أحلام من طفولته التي تركها في مسقط رأسه البروة، التي لا تبعد عن مكان سكناه المؤقت ما يزيد قليلا عن كيلو متر واحد. كان شاهدًا مَلكيًا يوم حوصرت قريته في أيار من سنة 1948 وهو لم يتجاوز عامه التاسع بعد، من الجهات الثلاث أما الجهة الشرقية فكانت بوابة الترحيل والخروج "الآمن" لأهل بلده في رحلة التهجير واللا عودة، والتي لم تنتهِ فصولها خلال 65 عامًا والمستمرة لغاية الآن. كان أبو غسان السكس طفلا في عمر الورد يوم شرد الجيش والعصابات الصهيونية الإرهابية أهالي قريته البروة حيث شُرد مع عائلته قسرًا إلى قرية البعنة، سكنت عائلته مع العشرات من العائلات المشردة كنيسة البعنة التي ضمت بين جدرانها ما يزيد عن 50 فردًا. يقول أبو غسان كريم سكس: شاهدت بأم عيني طوابير النازحين والمشردين المهجرين، تتجه شرقًا وشمالا من قرى البروة، شعب، الدامون وميعار وغيرها، تحمل ما استطاعت من أمتعتها وتسير والخوف يتملكها بعدما سمعوا عن ارتكاب المجازر من قبل العصابات الصهيونية بحق المئات من قرانا وأهلنا على امتداد الوطن الفلسطيني. ويضيف كريم سكس، ما أصعب السير في رحلة المجهول. كانت الحالة الفلسطينية في تلك الفترة من أكثر فصول التاريخ الفلسطيني مأساوية وأكثرها معاناة على الصعيد الجماعي والفردي، كانت تملك عائلاتنا في البروة ما يزيد عن أربعمائة دونم من الأرض السهلية المخصصة للزراعة ذات التربة الحمراء والسمراء، لم يشفع قلبي وعقلي في يوم من الأيام ولا حتى في الحياة والاستراحة الأبدية لحكام البلاد الجدد، على ما اقترفوه بحق شعبنا وأرضنا وقريتنا الغالية علينا.
ثم أردف أبو غسان كريم جاد رضوان السكس يقول، تختزل الذاكرة الفردية والجماعية نوبات من الهم والهموم الجماعية والفردية والأحداث الوطنية ومجمل الحياة الاجتماعية والمعيشية لأهالي البروة بكل أطيافها، إذ نشأنا وكبرنا في بروة الجميع، ولم نعرف المسلم من المسيحي والعكس، لقد نغصت إسرائيل علينا حياتنا ونمط عيشنا التي كانت تزخر بالحب والكرامة والعزة والاحترام المتبادل، وليس صدفة ان أهالي قريتنا من كثرة حبهم لبلدهم وأواصر العلاقة المتينة التي تربطهم ببعضهم البعض، ما زالوا يتواصلون رغم تغير وتبدل الأجيال مع قريتهم البروة سنويًا عبر رحلة الحجيج الوطني والتمسك بحق العودة في ذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار من كل عام.
نشأنا على حب الوطن كما يفعل الجبهوي العريق كريم سكس، وتتلمذنا وانصهرنا في حب الأرض والوطن على يد الشيوعيين وفقط الشيوعيين الذين هم الوحيدون الذين كانوا قلائل ولكن ملأوا الساحات والميادين بمواقف بطولية ومبدئية قل مثيلها من قبل. وقدموا أغلى التضحيات في الدفاع عن الوطن والناس في قضاياهم اليومية والمعيشية وخاضوا معارك الشرف والبطولة واخلصوا للقضية والوطن والمواطن الفلسطيني مما ينسجم مع أفكارهم ومبادئهم الوطنية الثورية. لقد دفع الشيوعيون في هذه البلاد ثمنًا غاليًا وقدموا الغالي والرخيص في سبيل تثبيت الشعب والبقاء في الوطن.


*لو لم يكن الشيوعيون..*


يؤكد أبو غسان، والله لو لم يكن الشيوعيون في سنوات النكبة وما بعدها وفي حياة شعبنا وجماهيرنا، لكانت البلاد والوطن فارغين من الأهل والشعب أمام ضحايا الصهيونية العالمية والرجعية شهداء بالآلاف، أو مشردين ضائعين خارج حدود الوطن نعاني ظلم ذوي القربى.
ورثت عن والدي الذي كان مختارًا للبروة ما بين سنوات الأربعين إلى يوم النكبة، المواقف الجريئة والفرص الصادقة والحازمة، وما رويته كنت قد سمعته عن والدي جاد رضوان السكس والذي كان احد قراء "الاتحاد" منذ بداية الخمسينيات، فقد كانت تصل "الاتحاد" إلى بيتنا عن طريق الرفيق حبيب أبو عقل وجميل توفيق شحادة. واذكر ان والدي كان دائما يطالب بان تصل الجريدة في وضح النهار وليس في عتمة الليل، أولا من اجل ان يراها الناس وكي يلتفوا حولها ودعمها كمنبر سياسي يدافع عن حقوق الناس اليومية والقومية والمعيشية، ومن اجل فضح سياسة الحكام الذين احتلوا البلاد وهجروا الناس من بيوتها وقراها. ثانيًا قطع هاجس  الخوف لدى الأغلبية من الناس التي خرجت من المأساة مكسورة الجناح بعد فقدان البيت والوطن وأصبحت البقية الباقية من الشعب كريشة في مهب الريح.
ساهم أبو غسان كريم سكس كشخصية اجتماعية ووطنية صادقة مع مجموعة من رفاق الحزب والجبهة في جديدة، أمثال طيبي الذكر سمير بصل واحمد قاسم كيال إلى جانب مجموعة برز منهم الرفيق الكادح عطا أرشيد والرفيق حسن كيال والمهندس الرفيق منهل مصري وآخرين يتقدمهم أبو غسان في جمع أكثر من 3000 ليرة في منتصف السبعينيات من القرن المنصرم لشراء مبنى قديم في وسط القرية، وفي منتصف الثمانينيات جرى هدم البيت القديم الذي هو مقر للحزب والجبهة إذ تمكنت هذه الكوكبة من الرفاق الشيوعيين والجبهويين الافذاذ من إعادة بناء وتسمية النادي الجديد للحزب والجبهة على اسم المفكر الشيوعي العريق د.إميل توما والمكون من طابقين إذ بلغت تكاليف هذا البناء الهام في حياة الأهالي والشيوعيين أكثر من 120 ألف شاقل وبتكاليف اليوم حوالي 120000 جمعت بالتبرعات والتضحيات من خيرة الناس الطيبين. لقد ساهم أبو غسان بالكثير من الأعمال التطوعية مع تسلم الجبهة وعفيف كيال مرشح الجبهة لرئاسة المجلس المحلي لعدة دورات. كانت تلك الفترة تعتبر فترة نهضوية عمرانية وطنية كرامة وخدمات، كانت مشاركة الجبهوي كريم سكس أساسية في كل متطلبات العمل الجماهيري التطوعي، قبل هذه الفترة بكثير واصل سكس مع مجموعة من أهل الخير في بداية سنة 1973 بالمبادرة الجماعية للمطالبة والعمل على إدخال التيار الكهربائي إلى القرية وإنارة البيوت والشوارع، وتمكنا في حينه من جمع أكثر من 900 ألف ليرة (قبل استعمال الشاقل) يعني ما يقارب المليون شاقل في حينه وهو المبلغ المطلوب لهذا المشروع الحيوي للأهالي وللقرية. وقد ترأس أبو غسان ولمدة سنتين إدارة فريق هبوعيل جديدة لكرة القدم. قدم خلالها خدماته وبصماته دون مقابل، من اجل تقدم الفريق والسهر أكثر ما يمكنه من اجل تعليم وتثقيف وتنشئة جيل جديد قادر على حماية نفسه من شرور المجتمع الإسرائيلي، وبناء جيل يعتمد الهوية الوطنية والقومية، في التصدي لسياسة وظلم السلطة ومخططاتها في تعبئة الشباب وتجنيدهم للخدمة الوطنية الاختيارية والإجبارية، والتسهيلية بهدف سلخ شبابنا الواعد عن محيطه العربي وهمومه اليومية في جعله لقمة سائغة لسياسة الاضطهاد والتمييز وطمس الهوية القومية الفلسطينية ومحو انتمائنا لهذه الأرض ولهذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه.
فسيرة كريم سكس بالتأكيد حافلة بالانجازات والخبرات المكتسبة بالممارسة اليومية. حيث نجد في في شخصه ذلك الحزب الذي قدم ويقدم لغاية الآن وبغير حساب ولا يعرف مصطلح الأنا. وأبو غسان هو ذلك الجندي المحارب المناضل الخفي الذي يعمل في هدوء دائم يتواصل مع الناس في كل أيام السنة في الأفراح والأتراح والمناسبات الوطنية، واكتسب محبة وود واحترام الخصوم قبل الأصدقاء.
فإذا وقعت بعض الأخطاء والهفوات في مسيرته السياسية والاجتماعية والوطنية فهي تأتي من باب ان من لا يعمل لا يخطئ وان لكل جواد كبوة وهفوة، وانه في أحيان كثيرة تقع في الحيرة والامتحان الحقيقي بين الصح والأصح، بين "العاطل" والسيئ سياسيًا وبين "الاعطل" والاسوأ وعليك الاختيار واتخاذ موقف معين وهنا أحيانا كثيرة تضيع البوصلة. يقول أبو غسان ان دليلي السياسي وبوصلتي استلهمتها من تجربتي الشخصية وتجربة وسلوك جبهتي المحلية حيث كنت أنا احد مؤسسيها الأوائل، والجبهة والحزب هما هويتي السياسية والفكرية وان الشيوعيين محليا وقطريا هم العين الساهرة والقادرة والحريصة والصائبة في وضع الأمور في نصابها الصحيح خدمة لهذا الشعب وقضاياه اليومية والقومية.
ويضيف كريم سكس ان ما أستطيع ان أورثه لأبنائنا وأحفادنا هو السير في الطريق المجرب الشامخ الأصيل والوطني الواعي، طريق الهامة المرفوعة المنتصبة طريق النضال والكفاح دون هوادة أو تأتأة. ولهذا سلامي الحار وتحياتي لهذا الطريق الذي سلكه الشيوعيون في أصعب وأحلك مراحل النضال والذي فتح أمام شعبنا وجماهيرنا الباقية طريق الأمل والحرية وسطر أروع الصفحات الخالدة على مر تاريخ ومسيرة شعبنا، وعلى أبنائنا ان يتعرفوا على هذا الطريق لأنه لا يوجد طريق آخر.
فإما طريق الشيوعيين الوطنيين الذي هو طريق  النضال وإما طريق الخنوع والاستسلام والزحف على البطون.




(كويكات أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

رثاء الصّديق علاء

featured

صباح الخير للأخت الأديبة شوقيّة عروق منصور، وللنساء فقط!

featured

نار باب الكرامة لم تنطفئ

featured

لغز هولاند أمام بصمة ساركوزي

featured

على الرياضة والرياضيين، ان يكونوا سفراء للمحبة والتآخي

featured

وحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل..

featured

تحريض المساجد وراء حرق مخيم الأطفال في غزة