لقد دخلتُ جِلباب أبي دون علْمِه، حين كتبتُ، يوم الخميس الماضي، عن أهلي وأحبَّائي وأترابي في حيفا يومَ احتلالها، حيث مرَّ اسبوعٌ من الآلام بين الخميسَيْن والحسرة واللوعة تأكلُ كبدي على هذه الذِّكرى الأليمة والموجعة حتَّى الصَّميم، إذ ما زلتُ أقفُ محاصَرًا في جامع السُّوق (الصَّغير)، لا أقدر، أن أخرجَ من جُبِّ عباءة والدي، خوفًا منهُ عليَّ، وحرصًا منه على حياتي المهدَّدة من القنَّاصة التي رمت برصاصها الحاقد كلَّ ذي حركة في الأحياء العربيَّة، بعد أن تمترسَت فوق أسطح العمارات الشَّاهقة في شارع سيركين أو على شُرفات عمارة سلام أو مبنى سلمون أو في دار الإذاعة في شارع البرج، ولا استطيعُ أن أطلَّ على العالم من عُبِّهِ الدَّافئ، احتراسًا منِّي على نفسي، حيث حاولتُ الوصولَ إلى حيِّ وادي النِّسناس الذي أسكنه وعائلتي، فكلُّ من رأيته في طريقي إلى هناك يسألني، أين المصير! لقد كان جوابي لهم واحدًا: البقاء ثمَّ البقاء ثمَّ البقاء..
انتقلتُ عبر معابري الالتفافيَّة والخاصَّة التي أعرفها، ولا يعرفها حتى الدُّومري أو نعيم العسل صاحب الحانوت في ساحة الجرينة الذي كنتَ تجد عنده كلَّ شيءٍ تطلبه من العلقة إلى المرقة ومن العجينة إلى الماكينة، فقد كانت بيادر القمح في هذه السَّاحة مرتعي وملهى صباي ومُلهمة لأحلامي، فعبرتُ من منطقتي التي كنتُ محاصَرًا بها إلى شارع يافا ومن ثمَّ إلى البرج ومنه إلى "نزلة" ستانتون، على أمل الوصول إلى مقرِّ عصبة التَّحرُّر الوطنيِّ، الواقع في درج الموارنة رقم ستَّة عشر، بين شارع الرَّاهبات وستانتون، حيث كُتبت يافطة كبيرة فوق قوسِ بوَّابة النَّادي الحديديَّة "اتِّحاد النِّقابات المهنيَّة" فقد وجدْتُ رفاقي وقد أنهكهم التَّعب وغالبهم القلق وغَسَلهم العرق، يكتبون بخطِّ اليدِ وينقِّحون الجُمل ويتجادلون في فحوى النَّصِّ الملائم ويطبعون المناشير بواسطة مطبعة ستانسل، ويضعونها في رُزمٍ من قماش، تحضيرًا لإيصالها إلى القُرى والمدن المجاورة لتوزيعها. فأخذ كلُّ واحد منَّا رزمةً ونزلنا عبر شارع الخطيب إلى ساحة الخمرة، وهناك تفرَّقنا إلى أماكن عديدة لنلتقي بمن يتحمَّل مسؤوليَّة إيصالها إلى من يهمُّه الأمر، والكلُّ مهتمٌّ بما حصل وماذا يخبِّئ القادمُ من الأيَّام له، على أمل أن تصلَ إلى أماكن تواجد اللاجئين، بغية إقناعهم وحثِّهم على التَّراجع عن قرارهم وبأن يعزفوا عن ترك المدينة لأنَّ النُّزوح هو في اتِّجاه واحد لا رجعة منه..
حين وقفتُ ورفاقي عند بوَّابة الميناء، قرب الحسْبة، نُقبِّل أقدام النَّازحين ليعودوا إلى أحيائهم وديارهم وبيوتهم، سمعتُهم يتهامسون بخوف وروْع وفزعٍ عن أزيز الرَّصاص كلَّ ليلةٍ نحو بيوتهم وعن براميل البارود التي تدحرجت من علٍ على البيوت العربيِّة في الوادي، وعن القذائف التي هبطت على رؤوس روَّاد السُّوق من منطقة الهدار العلويِّ وعن القنَّاصة فوق سطوح المنازل وعن حرق الأماكن والمحال التِّجاريَّة والبيوت بعد غزوها واقتحامتها وقتل من فيها وسرقة محتوياتها، وسمعتهم يتناقلون، أيضًا، برعبٍ وذُعرٍ تفاصيل مجازر دير ياسين وكفر لام وإجزم وأمِّ الزِّينات والطِّيرة والطَّنطورة وبلد الشِّيخ والحوَّاسة..
تمرُّ ذكرى احتلال حيفا وتهجير أهلها الثَّمانين ألفًا أو يزيد من أرضهم وبيوتهم، ونحن نعرفُ عصابات صهيون لَم تُبقِ حجرًا على حجرٍ وهي مستمرَّة في سياسة الهدم ودثر شواهد وجودنا فوق أرضنا، فهي ما زالت على نهجها، آه ليتهم قرأوا منشورنا وسمعوا بندائنا، فأين هم من هذا (..أَفلا تَذْكُرُون).
