قائد أحبه شعبه
رحل الزعيم الفنزويلي هوغو شافيز وقبل رحيله زار الدول العربية اكثر من أي زعيم عربي، وقد لا اجازف عندما اقول إن زيارة الزعيم الفنزويلي للمنطقة العربية فاقت تبادل زيارات الزعماء العرب لبعضهم البعض، فما السر في ذلك؟
شافيز هو ابن الطبقات الاكثر فقرا في فنزويلا، جاء لشعبه من اجل ان يبني لهم وطنهم الذي نهبه الفاسدون واللصوص، جاء لوطن في فترة كانت فنزويلا بحاجة الى قائد يحميها من جشع الصهيونية والامبريالية، من جشع الرأسمالية والانتهازية، جاء لوطن كانت الأميّة تهيمن عليه والفقر يضرب أطنابه. وكيف يكون ذلك وفنزويلا التي يوجد فيها الذهب الاسود؟ فنزويلا دولة غنية، هل يجوز ان تكون غنية وهناك الملايين من الذين يموتون جوعا رغم كل هذا الغنى؟ جاء شافيز ليتمرد على الفقر، جاء ابن الفقراء وابن الشوارع ليتمرد على القهر والظلم الذي رافق سنوات عمره، فهو ابن هذه الطبقات لعب مع ابنائها في شوارع فنزويلا وساحاتها، عاش معاناتهم وآلامهم، فكيف له ان يسكت على كل هذا، وهل الوطنيون يرضون غير ذلك؟
شافيز ابن فنزويلا، ابن الفقراء والكادحين، وهل هناك من يضحي ويمتلك الشجاعة كما امتلكها الشافيز.. تمرد على امريكا ليس لمجرد التمرد، تمرد على امريكا لانه اراد نهضة وطنية لوطنه وشعبه، تمرد على الاستعمار لأنه يريد الاستقلال لوطنه وشعبه، يرفض الولاء والطاعة. بترول فنزويلا لشعبها واهلها، قالها الشافيز لا جوع ولا فقر، فنزويلا بلد الخيرات.
الشافيز كان محرِّضا - محرضا وطنيا اولا، محرضا للحفاظ على استقلالية الوطن وكرامة المواطن، الشافيز كان محرضا على الظلم والقهر والاستغلال، محرضا على التدخل الغربي في شؤون الدول الفقيرة والنامية، محرضا من اجل حرية الشعوب واستقلال بلدانها.
حدد الشافيز منذ اليوم الاول وأشار باصابعه الى اعداء الأمة، أنتم أيها الاعداء الداخليون والخارجيون، لن تمسّوا شعب فنزويلا بسوء، وان الديمقراطية هي تلك التي تحافظ على كرامة الفقراء والكادحين، ولن تكون الا ديمقراطية من اجل نهضة فنزويلا وكرامة شعبها، هكذا كان الشافيز مبدئيا، مبدئيا بمواقفه لانه يحب شعبه ووطنه.
لقد كان الشافيز مثالا وطنيا ويحب وطنه وشعبه، فرفض الظلم على شعوب العالم، وهذا هو سر وقوفه الى جانب عدالة الشعب الفلسطيني، وكانت جرأته تفوق جرأة الزعماء العرب مجتمعين، عندما قال يجب محاكمة رئيس اسرائيل على جرائمه، قالها ومات الشافيز وهو على قناعة ان قادة اسرائيل وامريكا مجرمو حرب، فهو يعرفهم جيدا ويعرف جرائمهم في أمريكا اللاتينية، لماذا لم يقلها الزعماء العرب؟
جرأة الشافيز عندما طرد سفير اسرائيل من فنزويلا، كان موقفا لم تجرؤ عليه حكومة أم الدنيا، لم تجرأ عليه اي دولة عربية، لم يحذُ حذوه اي زعيم عربي، فالشافيز كانت تراه الشعوب العربية الملجأ الذي يمكنها ان تلجأ إليه، شعوبنا العربية وعلى رأسها الشعب الفلسطيني؛ كان يرى بالشافيز فلسطينيته اكثر من فنزويليته، كيف ذلك والفلسطيني بامكانه ان يدخل فنزويلا بدون تأشيرة دخول، حيث الفلسطيني محروم من دخول العديد من الدول العربية او ممنوع من مغادرة بقعة من فلسطين بقرار فلسطيني او اسرائيلي؟
رحيل الشافيز قبل موعده كان قرارا امريكيا وصهيونيا، وكان الشافيز يقود معركته ضدهما بكل شجاعة وصرامة، حيث كانت ترى الادارة الامريكية والصهيونية بالشافيز ليس عقبة أمام نفوذهما بالقارة فقط وانما عدوا لتوجهاتهما الاستعمارية والاستغلالية، لذا كان التخلص من هذه العقبة ضرورة ملحة. فلم تأتِ الاتهامات من قبل نائب الرئيس الفنزويلي من فراغ، وان اصابة اغلب رؤساء دول امريكا اللاتينية بمرض السرطان لم يأتِ عن طريق الصدفة، وانما معركة جديدة على شرفاء العالم ومناضليها أخذها بعين الاعتبار.
فنزويلا ستكون على أبواب مرحلة جديدة أمام أعدائها الداخليين والخارجيين، أمام تحديات من أجل الاستمرار بنهضتها وتماسكها ومسيرتها الى الحرية والكرامة والمستقبل والمساواة والعدالة الاجتماعية، فالشافيز ترك إرثا جميلا في فنزويلا وهو حب الشعب للحرية والوطن، ترك إرثا ان العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة والاستقلال لن تمنح وانما هي عملية نضالية تتحقق بالنضال.
لقد بكى فقراء فنزويلا هوغو شافيز، لأنهم افتقدوا أبا وأخا وابنا وصديقا ورفيقا ومناضلا وعاشقا، ونحن كفلسطينيين ماذا فقدنا؟ نحن فقدنا قائدا فلسطينيا اسمه هوغو شافيز، فلسطينيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
نم قرير العين يا رفيقي، فأنت لم تمت، وأنت لم ترحل، لان الثوريين لا يموتون أبدا، فنهجك أضاء سماء الكون، أضاء طريق الحرية لشعوب العالم كافة، فأنت من قارة المخزون الثوري كما وصفها الاسير جورج عبدالله، فالثوريون لن ينسوك أبدا.
(البرازيل)
