حادثة الباصات عام 1959 ***
كانت معاملة العرب الفلسطينيين الذين بقوا ليعيشوا على أرض وطنهم معاملة سيئة وخصوصا في أيام الحكم العسكري، فقد عانوا الأمرّين من التفرقة والتمييز العنصري في مختلف نواحي حياتهم....
كان لشفاعمرو أيام الانتداب البريطاني خط باصات رقم 11 يربطها مع مدينة حيفا وكان يملك هذه الشركة مساهمون من أهل البلدة، ولما ابتدأت الحرب العربية-اليهودية عام 1948 خاف أصحاب الشركة على باصاتهم وقاموا بنقلها إلى لبنان، وخصوصا الجديدة منها، حماية لها من النهب والسلب إذا ما وقع الاحتلال، وقد سرقت بعض السيارات فعلا... وبعد احتلال إسرائيل قام والدي بمساعدة المطران حكيم بمساع حثيثة لاسترجاع هذه الباصات من لبنان وإعادتها لأصحابها وقد تكللت مساعيهما بالنجاح وهكذا سلمت لهم... ولكنه كان مع بعد نظره يدرك أن الحل الوحيد لحماية هذه الشركة من استيلاء السلطات الإسرائيلية عليها (وكانت إسرائيل قد استولت على كل خطوط الباصات العربية في البلاد) وإبقائها بيد أصحابها هو الاتصال مع شركة الباصات اليهودية التي كانت تعمل في ذلك الوقت، وقد كانت شركة تعاونية تدعى "شاحر"، وإقناعها بقبول أصحاب شركة باصات - شفاعمرو مساهمين متساويون فيها لأن هذه الشركة قد استولت على معظم امتيازات خطوط الباصات التي كانت تعمل بين القرى والمدن الفلسطينية فيما قبل وأصبحت هي صاحبة الامتياز وكان لا بد أن تستولي على هذه الشركة أيضا...
لم تكن المفاوضات سهلة ولكن إصرار والدي وتشبثه برأيه أثمر في النهاية وأجبر شركة "شاحر" على القبول بالأعضاء العرب (عام 1949) مساهمين متساوين ومنح كل منهم سهما كاملا في الشركة اليهودية مقابل أسهمهم القديمة... ولقد كان يعتبر هذا الأمر نجاحا باهرا وانجازا منقطع النظير وخصوصا عندما نعلم اليوم أن السهم الواحد في هذه الشركة التي أصبحت تسمى اليوم "ايجد" يساوي الملايين، واحتفاء بهذه المناسبة قام والدي بإقامة حفلة غداء كبرى دعا إليها كبار موظفي شركة "ايجد" بمناسبة التوقيع على هذه الاتفاقية، رغم قلة ذات اليد في ذلك الوقت ورغم أن لا ناقة له ولا جمل في هذا الموضوع، إلا أن غيرته على المصلحة العامة وتأمين المواصلات العامة لبلده دفعته على اتخاذ هذا الموقف...
ولكن شركة "ايجد" أخذت تتخاذل في تسيير ما يكفي من الباصات أمام ازدياد عدد المسافرين وخصوصا أمام العمال ونظرا لعدم وجود سيارات خاصة لدى المواطنين في ذلك الوقت كما هي عليه الحال اليوم، وأمام ازدياد عدد العمال اليوميين (وخصوصا الذين أخذوا يتدفقون من القرى الصغيرة الأخرى على شفاعمرو نظرا لوجود المواصلات فيها) والذين كانوا يعملون في المصانع والورش اليهودية (والواقعة بمعظمها في منطقة خليج حيفا) واضطرارهم للسفر إلى أشغالهم يوميا في الصباح الباكر، بما لا يتلاءم وعدد الباصات القليلة والقديمة (صغيرة الحجم) التي كانت تسيّرها الشركة لنقلهم في كل صباح، مما أدى إلى تذمر العمال نتيجة تأخر وصولهم إلى أماكن عملهم في الوقت المناسب وفي كثير من الأحيان ضياع أيام عمل عليهم هم بأمس الحاجة إليها... ولم تجد نفعا كل المراجعات ومنها الرسائل العديدة التي أرسلها والدي إلى وزير المواصلات بهذا الشأن والعرائض والمطالب التي قدموها إلى إدارة الشركة طالبين زيادة عدد الباصات واستبدال الباصات القديمة والصغيرة بباصات كبيرة وجديدة، ولكن دون جدوى... وبعد المماطلات العديدة وعدم تلبية مطالبهم ضاق العمال ذرعا بهذا الوضع مما حدا بهم ذات يوم 8/11/ 1959 إلى الامتناع عن ركوب هذه الباصات والخروج إلى التظاهر احتجاجا على هذا الإجحاف بحقهم وبحق لقمة عيشهم وإلى سد الطريق الرئيسي بالحجارة، كوسيلة احتجاج، أمام الباصات القليلة والقديمة، التي كانت تأتي أصلا متأخرة عن وقتها لنقلهم، وعدم السماح لها بالعودة من حيث أتت وإجبارها على البقاء في مكانها كوسيلة ضغط لتغيير هذا الوضع والى أن يتم التفاوض مع ممثلي الشركة... وأيّد والدي مطالب العمال العادلة ووقف إلى جانبهم... ولكن الشركة، بدل إرسال ممثليها، استنجدت بالشرطة التي أرسلت قوة كبيرة وقف على رأسها الضابط صبّاح (ساغي) وكان صديقا لأهل شفاعمرو، إذ عمل في السابق ضابطا لمركز شرطة شفاعمرو قبل أن يتولى قيادة الشرطة القطرية في عكا وكان يهوديا ابن عرب من مواليد صفد وكغير على ما هو متوقع من هذا "الصديق" اليهودي ابن العرب، أصر هذا الضابط وبعصبية جامحة على أن يقوم العمال بإزالة الحجارة وفتح الطريق فورا وأن يتفرقوا حالا!!... وعبثا حاول والدي إقناعه بالتروي وعدم التسرع ومنحهم مهلة قصيرة وإعطائهم فرصة حتى يتمكن وجهاء البلدة أمثال الشيخ صالح خنيفس والمرحوم الشيخ حسين عليان الذي كان نائبا لرئيس البلدية وأعضاْء البلدية ومنهم السيد شفيق الخورية، سكرتير الحزب الشيوعي في البلدة، الذين كانوا متواجدين في المكان وكان معهم كثيرون غيرهم من أهل البلدة بمن فيهم ممثلو العمال، والعمال أنفسهم، الذين أكدوا استعدادهم لمعالجة الموضوع بصورة سلمية... ولكن هذا الضابط تعنت وتشبث برأيه ورفض أن يلبي طلبهم رغم استهجان الناس من هذا الموقف المتعنت الصادر من إنسان مثله يعتبر صديقا لشفاعمرو وأهلها... ولو استمع لهم لكان الموضوع قد مرّ بسلام ولكنه لم يأبه لكل طلباتهم وذهبت كل محاولاتهم أدراج الرياح!!...
وتأزم الموقف من جراء هذا التعنت من قبل الشرطة وقائدها وازداد التوتر بين العمال الذين أصروا على تلبية مطالبهم فما كان من هذا القائد إلا أن أمر قوات الشرطة، التي كانت تحت إمرته وعلى أهبة الاستعداد، بتفريق العمال المتظاهرين بقوة السلاح، وفي غضون دقائق قليلة فتحت النار على العمال المتظاهرين والعزل ففروا هاربين من الرصاص المتطاير في كل اتجاه ولكن الشرطة لم تكتف بإطلاق الرصاص في الهواء بل طاردتهم وقتلت من جراء ذلك المرحوم محمد أبو رعد وهو يركض في اتجاه الحقول تاركا وراءه أرملة وأطفالا صغارا وجرح عدد آخر من العمال...
وعقدت البلدية في الحال اجتماعا حاشدا وصاخبا، حضره المئات من أهل البلدة وممثلو العمال الغاضبين وطيروا برقيات الاحتجاج مطالبين بمعاقبة المسئولين عن هذه المجزرة الدموية وعمن تسبب في هذا الهجوم البوليسي العدواني على عمال مسالمين يطالبون بتأمين لقمة العيش لهم ولأطفالهم... ووقفت البلدة في هذه الحادثة المريعة، كما في غيرها، وقفة رجل واحد...
وقد قامت الشرطة في أعقاب هذه الحادثة باعتقال عشرات العمال المحتجين وقدمت ضدهم لوائح اتهام لتقديمهم للمحاكمة، بدل أن تحاكم الشرطة التي قتلت مواطنا بريئا وجرحت العشرات، وألقت ببعضهم في السجون رهن الاعتقال وقد بذل والدي ومعه كل رجالات البلدة المخلصين جهدا كبيرا في إطلاق سراحهم واستمروا في الوقوف إلى جانبهم في كل مراحل هذه القضية ولم يتركوا أبناء بلدهم أبدا... وحينما قدّمت الشرطة فيما بعد بعضهم للمحاكمة وقف والدي شاهدا في المحكمة دفاعا عن العمال وعن عدالة قضيتهم وطالب بتبرئتهم بينما شهد ضدهم بعض العملاء وأعوان السلطة والمأجورين!!...
وادعت الشركة أن العمال قذفوا الباصات بالحجارة وعندما قدّمت شركة "ايجد" والشرطة دعاوى لطلب تعويضات على الضرر الذي لحق بالباصات ردّ عليهم والدي: "إن كل باصاتكم لا تساوي نقطة دم واحدة من دم الشهيد محمد أبو رعد الذي قتل ظلما وعدوانا في هذا الاعتداء السافر على المواطنين"!!...
واضطرت السلطات في النهاية إلى إقامة لجنة تحقيق اثر هذا الحادث أدانت هذا الضابط ووضعت اللوم عليه وعاقبته بخفض درجته وأفقدته منصبه العالي وأقرت تعويضا لعائلة الفقيد لإعالة أطفاله الصغار...
ومن الجدير بالذكر أن هذا الضابط بقي نادما على تسرعه وعمله الإستبدادي هذا طيلة أيام حياته ولقد سمعته مرارا يقول لوالدي والشعور بالندم يغلب على كلامه: "يا ليتني سمعت منك يا أبا الياس"!!... وقد بقي يتردد على شفاعمرو وأهلها حتى آخر يوم في حياته كمن يحاول أن يبدي أسفه وندمه على ما فعل...
