قرار الدخول للمفاوضات هو قرار صائب ويستشف المستقبل: عين على القضية وعين على أرزاق الناس

single

ماذا جلب لنا خيار النضال غير المحسوب، الذي يصب الزيت على نار الاحتلال ويجلب عداء العالم لنا، ويجعل الشعب الفلسطيني لقمة سائغة أمام آلة قمع وقتل جهنمية؟

 

-1-
التعامل مع السياسة بصفتها فن، أو بصفتها لعبة شطرنج، غائب عن الرأي العام العربي، وغائب بشكل خاص عن مبلوري اتجاهات الرأي العام لدينا، الذين لا يقبلون، أن يطرحوا تحية صباح الخير إلا مرفقة بشتم الاستعمار والصهيونية والتمسك بالثوابت الشرعية للشعب الفلسطيني، وتحية التجربة الثورية لكوبا وأنغولا (أنغولا كانت في زمن مضى)، وبدون ذلك تفقد تحية "صباح الخير" الساذجة، معناها الثوري.
ونعاني، نحن قراء الصحف العربية ومشاهدي الفضائيات، أننا لا نجد في صحافتنا تحليلاً متأنيًا للوضع الراهن، على تعقيداته والاتجاهات المتناقضة فيه، إلا فيما ندر. إذا قال هذا الزعيم أنه ضد نتنياهو، يصبح بطلاً قوميًا، والعكس بالعكس. دائمًا يوجد لدينا بطل مناوب: مرة أردوغان، مرة أحمدي نجاد، وحتى كارتر (مهندس كامب ديفيد) أصبح بقدرة قادر نصير القضية الفلسطينية. لا أحد يحلل لماذا كان هذا القائد، حتى الوقت القريب، يحمل موقفًا ما والآن تحول إلى نقيضه؟ الشعار الرائج لدينا هو: "إما معنا وإما علينا". لا يهم التاريخ والسياق والمصالح الرابضة خلف كل موقف. المهم السطر الأخير في اللحظة الآنية، مع أن السطر الخير ليس بالضبط هو الأخير، بل ستتبعه أسطر وأسطر. 
هذه الأزمة، وهي آنية، لم تواجه اليسار في الماضي، لأن أهم ما ميز اليسار، آنذاك، هو القدرة والجرأة، على تحليل الوضع الراهن، على كافة العوامل التي تتجاذبه. والحقيقة أن "التحليل" يفقد معناه إذا لم يتم على هذا الشكل، حين نكتفي بالقول، "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، ونكتفي بالهتاف التقليدي: "ما بيجي من الغرب ما يسر القلب".. وبالطبع نستثني مما "بيجي" من الغرب أجهزة الخليوي والكومبيوتر والسيارات الفارهة والأدوية الكافرة مثل الكارتيا لتمييع الدم، وغير ذلك من بدع.
كتبت هذه المقدمة الطويلة لمقال أردته قصيرًا، وسبب ذلك هو الشعور بالإحباط الذي يراودني، كلما قرأت "التحليلات" عن السلطة الفلسطينية؛ في السر يقولون لك، "والله برافو على فياض، عامل شوية نظام في البلد، وهنالك انتعاش اقتصادي، وأن الناس بدأت تتنفس، وأنه يوجد نشاط جدي في بناء مؤسسات الدولة، وأنه توجد رقابة أكثر".. ولكن ما أن يتحولوا للكتابة حتى يتحولوا إلى شعل من نيران متوهجة.
ما أصعب دور القائد الذي يهتم بمصلحة شعبه، وبنضال محسوب، يحاول منع الأعداء من جر الشعب إلى مآزق بهدف القضاء على نضاله الشرعي. وما أسهل العكس؛ بضع خطابات نارية ويشتعل الوضع، ونزود العدو بكل مبررات ضرب هذا الشعب. ونحن، ولنعترف، نحب الخطابات النارية التي تدغدغ عواطفنا، وخاصة تلك التي لا تتحدث إلا بالمطلق وكأننا على القمر نحارب.. لا على الأرض.

-2-
ما يجري الآن هو حرب سياسية دبلوماسية شرسة يخوضها الفلسطينيون  ضد حكومة نتنياهو وحلفائها من أمريكيين وغربيين ومن أخوة عرب، وهي حرب متعبة ومحبطة، وفي كثير من الأحيان، يصدق فيها التساؤل: "ماذا جلبت لنا المفاوضات؟"، ولكن في جميع الحالات يصح أكثر القول: "وماذا جلب لنا خيار النضال غير المحسوب، الذي يصب الزيت على نار الاحتلال ويجلب عداء العالم لنا، ويجعل الشعب الفلسطيني لقمة سائغة أمام آلة قمع وقتل جهنمية"، ويصح أكثر القول أن المفاوضات يجب أن تقترن بنضال شعبي، فهما طرفا المعادلة الرابحة.. والخياران الآخران، خيار مفاوضات منقطعة عن النضال الجماهيري أو خيار النضال غير المحسوب، هما الخاسران في كل الحالات.
وفي هذا الصدد أيضًا، نعود لنؤكد ملاحظة جوهرية أخرى، أننا نريد نضالاً من خلال نقلات محسوبة كما هو الأمر في لعبة الشطرنج؛ نريد نضالاًً، ليس فيه حساب لنقلة واحدة فقط، بل لعدة نقلات للأمام. لا نريد لزعمائنا ولإعلاميينا، أن يقرروا مواقفهم بموجب ما يقوله الزهر (وهذا الاقتباس جاء من محمد حسنين هيكل في سنوات السبعين، وأعتقد أن هذه العبارة جاءت ردأ على الانتقادات التي وُجّهت لعبد الناصر عندما وافق على مبادرة روجرز، التي وضعت، في نهاية الأمر، إسرائيل في وضع حرج، لأن إسرائيل آنذاك، اعتمدت على الرفض العربي، فسحب عبد الناصر البساط من تحت رجليها.)
اليوم، وبمنطق الشطرنج، وبحساب خطوتين للأمام، على الأقل، فلدينا، بالإضافة إلى الفاتح من أيلول- موعد القمة التي دعا إلها أوباما، مفعلاً كل ضغوط الدنيا على الفلسطينيين- يوجد أيضًا السادس والعشرين من أيلول، موعد انتهاء التجميد الإسرائيلي للاستيطان، الذي، بالرغم من كل محاولات الاحتيال الإسرائيلية، أدى إلى تكبيل إلى الاستيطان إلى حد بعيد. ولنرسم السيناريو القادم، والسيناريوهات مهمة، كما هي دراسة التاريخ؛ الأخير يبحث الماضي والأول يحاول استشفاف المستقبل.
لنفترض أن يكون السيناريو الأول كالتالي: أن يرفض الفلسطينيون المفاوضات المباشرة، بالرغم من الضغط الأمريكي وبالرغم من الضغط الأوروبي وبالرغم من موقف الدول العربية المتنفذة.. وعلى خلفية استطاعة نتنياهو إقناع أوساط واسعة في العالم بقوله: "جربوني في مفاوضات مباشرة".. ماذا ستكون النتيجة؟ آنذاك أمام الرفض الفلسطيني (مع أننا ندرك أنهم محقون)، سيقف نتنياهو من على كل منبر متاح، وسيقول للعالم، بما معناه، "جمدنا الاستيطان عشرة اشهر، لكن الفلسطينيين، لم يتجاوبوا معنا.. ولذلك سنلغي قرار التجميد لأنه لا يوجد بارتنر". سيعبر العالم، مما لا شك فيه، عن انتقاده لموقف نتيناهو، ولكنه لن يواجه نتنياهو بنفس القوة التي سيواجهها كما لو كان سير الأحداث كما هو  في السيناريو الثاني.

 

والسيناريو الثاني هو ما يجري الآن، يذهب أبو مازن للمفاوضات المباشرة مع ألف تحفظ وتحفظ، وفي 27 أيلول سيقول للعالم، ما يلي: "بالرغم من تجربتنا مع هذا النتيناهو الذي يريد خداعنا مرة بعد أخرى.. وبالرغم من ممارساته العدوانية على ارض الواقع، بالرغم من ذلك ومن أجل إعطاء الفرصة أمام الشرعية الدولية، وافقنا على مفاوضات مباشرة. لقد أقنعكم نتنياهو بكلمة "جربوني" وها نحن نجربه، فماذا كانت النتيجة، بعد  أقل من عشرين يومًا على بداية المفاوضات يرجع للبناء في الضفة. ولأن السلام ليس لعبة، ولأنني لا أريد المشاركة في خدعة، أعلن انسحابي من هذا المؤتمر".
لقد أنزلنا هنا من السيناريوهين، ما يرافقهما من ارتباط السلطة بدعم الدول المانحة، وسعيها الهام لاستمرار إقامة مشاريع اقتصادية ملحة، وكما يقال في هذا الظرف عن السلطة الوطنية: "عين على القضية وعدم التفريط بها وعين على تأمين أرزاق الناس". هذه المعادلة هي التي يجب أن ترشد السلطة، وكما يظهر فهذا ما يرشدها..ومن يريد  حل كل القضايا بضربة واحدة فليفتش عن ذلك في الكتب، وخاصة في كتب الأطفال، حيث الحلول السعيدة الخالية من التعقيد.
ولذلك فقرار أبو مازن الدخول إلى المفاوضات المباشرة هو قرار صائب وذكي ويستشف المستقبل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الفُراتَ والنِّيلَ"

featured

خيارات وحسابات مركّبة أمام الإدارة الأمريكية: بين نار الجمهوريين ورمضاء نتنياهو وسائر أزمات المنطقة

featured

الطبقة العاملة في ظل استشراس قوى رأس المال

featured

مهن على قائمة الوداع

featured

السيسي يتفقّد عشّ الحمام

featured

لبيك يا شعبنا الفلسطيني لبيك

featured

"عربي.. مسلم.. وصهيوني"

featured

الضحك المُقاوِّم