مهن على قائمة الوداع

single

عرف الإنسان عبر تاريخه الطويل أنماطًا من المهن كانت لها صولات، وسادت ثم بادت، أو أوشكت على الدخول إلى آخر ما تبقى لها، وهو المتاحف، منها مهنة ساعي البريد الذي ورث الحمام الزاجل وأنهى مهمته، وهناك قصص رومانسية عن سعاة البريد، وما يتسببون به من أفراح وأتراح، لكن أطرفها هي تلك القصة عن أرملة كانت تكتب رسائل لنفسها وترسلها بالفعل لكي تتسلمها، وهي تعرف أدق ما فيها من التفاصيل.
والإحساس بالغربة قد يدفع الغرباء إلى ممارسات دونها الخيال، وهناك قصيدة شجية عن رجل عجوز لا يقرع جرس باب بيته أحد، مما اضطره إلى أن يقوم بنفسه بدق الجرس ثم يفتح الباب ليستقبل نفسه وانتهى به الأمر أن يصاب بشيزوفرينيا لا علاج لها.
وهناك مهنة قديمة ارتبطت بالكتاب حيث كان يطبع بشكل أقرب إلى البدائي بحيث تبقى صفحاته ملتصقة ببعضها، إنها مهنة صانع السكاكين الأنيقة وذات المقابض العاجية التي تستخدم في فصل الصفحات عن بعضها، وإن كان أحد الفرنسيين المولعين بالماضي وطقوس المهن التي توارت قد واصل عمله في زمن الإنترنت، وهو يدرك أنه قد يكون الزبون الوحيد لهذه السلعة، تمامًا كما حدث بالنسبة للأرملة الوحيدة التي تكتب رسائل لنفسها.
وهناك مهن اقترنت أكثر من سواها بالثقافة، أصبحت الآن عرضة للانقراض لأن الكتاب الورقي أصبح هو أيضًا في خطر، وله بدائل قد تطرده وتحتل الحيز الذي شغله آلافًا من السنين.
لقد كتبت قصائد عن مهنة شاحذ السكاكين الذي يطوف في أزقة القرى والشرر يتطاير من عجلته، وكذلك عن حامل صندوق العجب على ظهره الذي أنهت السينما والتلفزيون مهنته، وحسنًا فعلت بعض الدول حين خصصت لهذه المهن مكانًا في متاحفها الشعبية، بحيث لا تصبح بالنسبة لمن لا يعرفونها من صناعة الخيال، وأشبه بقصص ألف ليلة وليلة.
لكن أهم المهن وأخطرها والتي قال عنها الشاعر مالك حداد إنها تعوض غياب الجناحين وهي مهنة الكتابة قد تندرج على قائمة الوداع، فالكتابة الآن مهددة بأن تصبح منزوعة الدسم والرسالة وتراوح بين التوصيف والتعليق وتؤثر السلامة بالسير في الطرق المطروقة، وتخشى من إطلاق النار عليها إذا غردت خارج السرب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

نحو دورة ناجحة للمجلس الوطني الفلسطيني

featured

إسلام البيزنس التركي وديالكتيك الصراع

featured

الهروب..... الا من ألنفس!!

featured

جواز سفري والإنترپول

featured

كلمات في الدنيا...

featured

فيروز .. أيقونة الفرح

featured

اضراب آن أوانه

featured

معركة عض الأصابع