جواز سفري والإنترپول

single

بعد أن جُلت في أزقّة روما ساعاتٍ طويلة.. وذُبت خلالها مع اللاّزانيا والريڤيولي والپاستا، وانصهرت في الأجبان، واختمرتُ مع النبيذ، وانبهرتُ بعظمة التاريخ، واستمعت إلى الموسيقى، ورقصت على ألحانها.. دخلت إلى الـ«كافيه نِت»؛ عندها كان عقربا الساعة يتسابقان فيما بينهما ليعلن الأوّل انقضاء اللّيل، ويعلن الثاني بزوغ الفجر؛ كي أفحص بريدًا إلكترونيًّا طالما انتظرته، وللتواصل، أيضًا، مع الأهل والأصدقاء، وخصوصًا أخي راني، الذي لا يمضي عليه يوم من دون أن يتّصل مرّاتٍ عديدة للاطمئنان والحديث.
كان الطقس باردًا، دخلت المقهى واتّجهت نحو الموظّف الجالس وراء جهاز الحاسوب - الـ«كَمْپيوتر» (شابّ من أصل آسيويّ)، مستفسرًا عن إمكانيّة استعمال أحد أجهزة الـ«كَمْپيوتر» والإبحار في الشّبكة العنكبوتيّة - الـ«إنترنت». وعلى الفور، طلب منّي الشابّ أيّة وثيقة أو شهادة (رخصة سياقة، أو هُويّة، أو جواز سفر) تؤكّد هُويّتي؛ إذ لا يُمكنه السّماح لي بالإبحار من دون تسجيل معلومات دقيقة ووافية عنّي. ناولته جواز سفري، على أن يقوم بتغذية حاسوبه باسم مبحر جديد. وإذ بي أفاجأ بقيامه بوضع جواز السفر على الماسح لهدف مسحه، فانتفضت على الفور، وطلبت منه إعادة الجواز وعدم مسحه؛ خوفًا من أن يقوم أحد باستغلال المعلومات المحفوظة داخل الحاسوب والصورة لأغراض سيّئة، وغادرت المقهى منزعجًا، متوجّهًا نحو الفندق.
في اليوم التالي، وفي ساعات اللّيل المتأخّرة، دخلت «كافيه نِت» آخر في منطقة أخرى من روما، على أمل ألاّ يقوم الموظّف بتدوين أيّة معلومات عنّي.
- «بوناسيرا»؛ حيّيت الموظّف.
- «بوناسيرا سنيور»، واستطرد بالإيطاليّة..!
انتقلت إلى الإنچليزيّة، فورًا، لأنه لا تكفي معرفتي عدّة كلمات إيطاليّة لإجراء محادثة بالإيطاليّة.
وبعد أن استفسرت عن إمكانيّة الإبحار في الـ«إنترنت»، طلب منّي الموظّف، أيضًا، شهادة أو وثيقة تشير إلى هُويّتي، وعندما ناولته جواز سفري، قام بوضعه داخل الماسح ومسحه.
سألته مستغربًا: «لماذا تطلبون شهادات أو وثائق وتقومون بمسحها؟».
أجاب: «إنّ القانون الجديد الساري في جميع أرجاء إيطاليا، يحتّم على صاحب الـ «كافيه نِت» أن يمسح الشهادة أو الوثيقة التي تشير إلى المُبحر ويحفظ صورته، وتسجيل ساعات الإبحار؛ وذلك لمراقبة مواقع الإبحار ورسائل البريد الإلكترونيّ  - الـ «إيميلات» المُرسلة (..) وإلاّ، لا يمكننا السماح لك باستعمال الـ«إنترنت»».
وأضاف: «إنّ الـ«إنترپول» وشرطة إيطاليا، يُتابعان ويُراقبان مواقع الـ«إنترنت» والـ«إيميلات» المُرسلة من كلّ «كافيه نِت»، للتأكّد من عدم إرسال أيّ بريد إلكترونيّ إلى أيّة جهة مشبوهة أو إرهابيّة (..) وغير ذلك، لذا نقوم - حسَب القانون - بتدوين معلومات عن كلّ مبحر، ومسح صورته ووثيقة تثبت هُويّته».
أبحرت في الـ«إنترنت» ساعتين، غادرت بعدها المقهى.. وفي طريق عودتي إلى الفندق، راودتني أفكار وتخوّفات عديدة؛ قد أتفهّم ضرورة مراقبة كلّ مبحر «غريب» ومتابعته، لأسباب أمنيّة وأخلاقيّة وغيرها.. إلاّ أنّ هذه الظاهرة - في الوقت نفسه - خطيرة جدًا؛ حيث إن صورة عن جواز سفرك وصورتك الشخصيّة، «مخزونات» في الـ«كَمْپيوترات» في مقهى بعيد أو أكثر من مقاهي الـ«إنترنت»، تحت تصرّف شخص غريب أو أكثر، يُمكنه بكلّ سهولة استغلال المعلومات والصور لأغراض كثيرة، خاصّة أو عامّة؛ فبوجود أحدث التقنيّات الـتكنولوجيّة المتطوّرة يسهل عمل الكثير، فهل يراقب ويتابع الـ«إنترپول»، أيضًا، عمل الموظّفين في مقاهي الـ«إنترنت» ويضمن عدم تدخّل أيّة جهة خارجيّة، لاستغلال هذه المعلومات والصور، من عصابات أو مجموعات «إرهابيّة» أو مؤسّسات حكوميّة أو حتى دوليّة؟!
صورة عن جواز سفري موجودة في روما في أحد مقاهي الـ«كافيه نِت».. على أمل أن تبقى صورة داخل حاسوب.

 


 (حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الجهاديون" المصنعون في الغرب

featured

حماقات اسرائيلية خطيرة

featured

يورثها لعباده الصالحين!

featured

مساعي السلام من أجل الحرب القادمة؟!

featured

الإيمان دفيئة تآخ وتسامح

featured

التطورات السياسية عالميا، إقليميا ومحليا

featured

ألاعيب متغطرسة تستخف بالعقول