كان رحمه الله متغضن الجبين كان، يظهر للرائي أنه دائم العبوس على الرغم من أن في داخله طفل صغير مرح حالم. قلت في نفسي يظهر ان وراءه مأساة هي سبب هذه الكشرة الدائمة.
قال: يورثها لعبادة الصالحين
قلت: من؟
قال: وارث الأرض وما عليها !
ولم أنظر اليه لأرى تقاطيبه، تقطيبة فوق أخرى على جبينه.. لكني نظرت الى حيث كان ينظر. كنّا في طيرة المثلث وكان ينظر بإتجاه مستوطنة كوخاف يئير وهي خبط العصا من تلك القرية. وكان قد ورث ارضا هناك تمّت مصادرتها لأجل " الصالح العام اليهودي البحت "، في ذك الكوكب المضيء.
قلت: يا سبحان الله إنّي لا أرى فيك غير الصلاح يا أبا جهاد. قال، من كثرة المرارة أقول ما قلت: يورثها لعباده الصالحين.وأخذت مسبحته الحمراء تطقطق بعصبية. وسبح كل منّا في بحرانه وعالمه. عدت في لمح البصر الى ذاكرة النكبة التي لا تفارقني لكونها مستمرّة. قلت في نفسي: وهل كانت النكبة قضاءاً وقدراً؟ الله يتدخل في الكليات لا في الجزئيات وهو يقول للإنسان: خذ بالأسباب. القضاء والقدر لا يعمل إلا عند العاجزين.
هم أخذوا بالأسباب فأورثها لهم.. ونحن حين نأخذ بالأسباب نستعيدها.
كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات، أما اليوم فكيف نأخذ بالأسباب وقد إزدادت نكبتنا عمقا وعرضا وطولا، ونكبنا في أنفسنا وإزددنا تفرقاً على المستوى الوطني والقومي . ففي غزة أمارة متخلّفة وفي الضفة الغربية سلطة ديموقراطية جدًا تمنع حتى حق الكلام والتعبير.. وبعد كيف نطالب بالحق وليس لدينا أسباب القوة التي تدعمه أو تحميه؟ كيف نطالب بالحق ولا نتفق عليه ولا نعرفه ولا نعرّفه؟ كيف نطالب بحقوق الإنسان ونحن لا ندرك معناها ولا نمتلك أدواتها المعرفية؟ كيف ونحن نذبح بعضنا بعضا من الوريد الى الوريد بإسم الله والى ما شاء الله؟
بالأمس شاهدت أحد المسلسلات التلفزيونية التركية اسمه "الحب والحرب"، لفت نظري مشهدٌ فيه يضرب أتراك وأرمن بعضهم البعض ضرباً مبرحاً حتى الموت.. فمرّ بعض جنود الإنتداب الفرنسي. طلب الضابط من أحد جنوده أن يطلق رصاصتين في الهواء لوقف النزيف فإنتهره الجنرال قائلاً: دعهم يلحّمون بعضهم البعض ففي ذلك مصلحة لنا يا أيها الغبي !
والغريب – وما غريب إلّا الشيطان – أننا كلّنا يعرف هذا الدرس ولا يتعظ .
فهل حقّاً يا أبا جهاد أن الله يورثها لعباده الصالحين؟ّ أم أننا لم ننضج بعد ؟ أم أنه لا حياة ولا حياء لمن تنادي؟
