فرخ نسر وعاصفة

single

     قال إنه "أكعب" عندما كان عمره ثلاث عشرة سنة ، وعندما سألته عن المعنى قال : اكعب بمعني لبس كعبا اي غطّى كعبه بحذاء ، فهو حتى ذلك السن كان يمشي حافيا – وهو بذلك السن تعرف على الحزب الشيوعي وعلم ان الشيوعي يجب ان يكون مثالا في علاقته الاجتماعية وتعامله مع الناس . لقد فهم الموضوع بهذه البساطة وبهذا العمق .. ذكرني بكتاب ليو تشاو تشي "كيف يجب ان تكون شيوعيا جيدا"، وخلاصته الصدق مع الذات اولا وقبل كل شيء وبالتالي الصدق في التعامل مع الناس .. كل ذلك  حين كانت  في تلك القرية  كلمة شيوعي مسبّة ! انه بسيط كبساطة الفلاح ، عقيق كحمرة الورد الجوري ، عميق كجذر السرو  والسنديان ، متواضع كأوراق الزيتون ، مفيد كزيت الزيتون . يقول : "في الحقيقة لا يستطيع انسان مثلي ان يكتب تاريخ هذا الحزب ... لانه من اجل كتابة تاريخ من هذا النوع يحتاج الى مجلدات كبيرة و يحتاج الى اناس خبراء في التاريخ واكثر الماما وثقافة مني"(ص232). صحيح ان اسم كتابه "ذكريات ختيار لم تمت اجياله" لكنه ليس ختيارا الى هذا الحد ، لم تمت اجياله وليس شابا قد تغرب . لقد شرّق فعلا لمدة قصيرة للدراسات الحزبية ثم عاد وتابع العيش والفعل السياسي  في وسطه  الشعبي بدون  كلل ولا ملل . لانه نبت من جذور هذا الشعب فهو دائم الخضرة مستقيم كغصن الرمان وقضيب الخيزران . انهى الصف الثامن لكنه تعلم الكثير الكثير من تجربة الحياة والمثابرة على طريق العقل المفتوح الملتزم بقانون الحركة باعتباره القانون الثابت في هذا الكون . في البدايات كان ابنا لعائلة من عرابة البطّوف متوسطة الحال وما دون ذلك ، متكاتفة متعاونة متحدة على الخير لها ولكل الناس . نزل مبكرا الى سوق العمل في حيفا – ساحة الحناطير حيث يجتمع العمال ويعملون بالمياومة . تعرّف على اترابه وزملائه فيما بعد في العمل والحزب، امثال ابو عصام زين الدين . بدأ وعيه السياسي بالنمو . تعرف على صحافة الحزب وبدأ بالتبلور حتى اصبح بلورة من الكريستال النقي الصلب . يكتفي بالقليل ويعطي الكثير محترفا حزبيا على مدار نيّفٍ وخمسة وثلاثين عاما ،  كان مثله الاعلى اميل توما. ويا للصدف فقد حاورته في الأسبوع الماضي بمعهد إميل توما... هذه الذكريات –على بساطتها- تعبئ الناس ، وهذه التعبئة تكفي صاحبها فخرا .. لانها تملأنا تفاؤلا بالحياة ولانها كتبت من اجل الحياة "فلا السجان باق و لا زرد السلاسل". اذكر ما جاء في هذا الكتاب انه في سنوات الستين من القرن الماضي وفي اعقاب سجنه لمخالفة قوانين الحكم العسكري ، حاوره المعلم نمر مرقس في مقالة تحت عنوان " فرخ نسر وعاصفة" .. كان نمر رئيس تحرير "الغد" في حينه . ان النسر يعمر الف عام . انه توفيق كناعنة  الرفيق المناضل و الشيخ الذي لن يشيخ و الختيار الذي لن يموت معنويا لا هو ولا اجياله الذين عبدوا لنا الطريق . 

قد يهمّكم أيضا..
featured

جرح وعد بلفور لا يزال ينزف دماً

featured

المستوطنات وجراب الاحتلال

featured

حول المعارضة السورية المسلّحة

featured

طلقة جديدة على التسوية

featured

أبا الأدهم سنلتقي

featured

لهجة خليجية "جديدة نسبيًا"

featured

توفيق زيّاد في الثمانين!!

featured

خطر الهيمنة المافياوية الاحتكارية اليهوديّة